مقالات دينية

آفة ترجمة القرآن إلى الدارجة المغربية

ياسر الحراق الحسني/ الدارجة أو العامية هي إستعمال لكلمات وتعابير داخل إطار لغوي معين دون أن تكون هذه الكلمات والتعابير ذات طابع رسمي. و إذا كانت اللغة الرسمية أوسع نطاقاً من حيث التغطية الجغرافية و الإختلاف المجتمي، فإن الدارجة تقيدها مجالات جغرافية وكذا فئات مجتمعية صغيرة. و اللغة الرسمية قادرة على الربط بين أوطان مختلفة بينما الدارجة قد لا تستطيع الربط بين جهات مختلفة من وطن واحد،  بل أحياناً لا تستطيع  الربط بين حيَّين من مدينة واحدة. بعد هذه المقدمة المبسطة سوف نستعرض ما يثبت أن ترجمة القرآن إلى الدارجة المغربية هي بمثابة آفة بكل ما تحمله الكلمة من معاني الضرر و التجريح. هذا بعد ما قام النصراني من أصل مغربي المدعو ” الأخ” رشيد- مع الإحترام التام لحقه في حرية التدين – بترجمة آيات القرآن إلى الدارجة المغربية في جو ينتابه التهكم.

مع خصائص الدارجة

يرى علماء اللسانيات أن التعبير لا يمكن أن يكون دارجي إلا إذا تحلى بإثنين -على الأقل- من الخصائص الأربعة الآتية:

أولاً : التقليل من عنصر الكرامة والجدية في خطاب أو مكتوب رسمي معين

ثانياً: الإشارة إلى ما هو معلوم ومستعمل من طرف أفراد جماعة معينة

ثالثاً: عدم ملاءمة الإستعمال مع أناس أعلى مقاماً و مسؤلوية من الناحية الإجتماعية

رابعاً: تعويض تعابير رسمية لتجنب الإستغراق في الشرح ١

من هنا يمكننا الحديث عن عدم ملاءمة الدارجة لتعويض اللغة الرسمية – حتى وإن كانت غير العربية – فيما يخص ترجمة القرآن.  هذا الكتاب المقدس إسلامياً من خصائصه الربط  بين مختلف الشعوب والقبائل وهو كتاب عالمي يؤسس للحوار الإنساني في مواضيع مختلفة كلإقتصاد والإجتماع و السياسة مثلاً. فلا يمكن بحال من الأحوال الجمع بين عالمية الخطاب و جهوية الترجمة ! وإلا فكيف يمكن لمحرك سيارة من مائتين وأربعين حصاناً أن  يجر شاحنة كبيرة؟ فهذا من غير المعقول والخوض فيه لعب على عقول الناس. هذا من باب العالمية. أما إذا تحدثنا عن  القيمة الأخلاقية والدينية  للقرآن، فأنه من البديهي أن يتعارض بالمضمون مع القالب الدارجي من حيث كون الأخير من خصائصه التقليل من كرامة وجدية الخطاب أو المكتوب الرسمي.  إضافةً إلى ذلك، فأن  القرآن يستعمل  في الصلاة التي هي نقطة التواصل بين العبد المسلم وربه، ومنه لا  يمكن للمسلم تلاوته دارجةً علماً أن الدارجة  لا تستعمل للتوجه إلى من هو أعلى مقاماً ومسأولية من الأفراد،  فكيف بالتوجه إلى من هو أعلى من ذاك؟ وتبقى النقطة الأخيرة هي كون القرآن يشتمل على ظاهر وباطن و تفسير وتأويل، وهذا ما يتعارض مع الدارجة التي  تتجنب في تركيبها  الإستغراق في الشرح.

وقفة إفتراضية

لو إفترضنا جدلاً أن أهل الخبرة في مجال اللسانيات مخطؤون في تناولهم لموضوع الدارجة، فإننا لا بد من أن نختبر فكرة ترجمة القرآن إلى الدارجة وحملها إلى ما دون القرآن من كتب مقدسة. وعلى سبيل المثال، قام “الأخ” رشيد بترجمة سورة الكوثر بجمل مثل   :” راه أعطيناك الخير بلا عداد.. ” مستنداً إلى تفسير إبن كثير ومستهزءًا بالمسلمين الذين يتعبدون بهذه السورة ٢ . على الرغم من كون إلزامه للمسلمين بتفسير إبن كثير أو غيره مردود عليه، فإننا سنركز على النتيجة المستخلصة من ترجمة بعض آيات الإنجيل إلى الدارجة في محاولة لإلزامه بحجته التي هو اختارها. ومن هذا المنطلق، سوف يكون لدينا آيات إنجيلية بالدارجة  كالتالي:

المثال الأول من العهد القديم : ” أقتل الرّجِّالة و النساء ألي نعسو مع الرّجِّالة إيوا ديك  سّاعا خالي لراسك النساء لباقي ما نعسو مع الرّجِّالة”٣

المثال الثاني من العهد الجديد: ” عاندك إيجيبلك الله أنايا جبت السلام لهاد الأرض، راني ماجيبتش  گاع السلام، وا راه المضا، جيت نشعل بنادم على باه ، و البنت على مها، والربايب  گاع  حتا هوما”٤ .

نحن نلزم المذكور بحجته و نضعه أمام واقع إساءته للقرآن والمسلمين بل وللإنجيل والمسيحيين. و لم يكن في بالنا ولو للحظة المساس بمقدسات المسيحيين المحترمين، ولكن كان ذلك بمثابة مخاطبة الناس بعقولهم وإلزامهم بحجتهم. فأسلوب “الأخ” رشيد لا يليق بمن يريد – في أشرف التقديرات – تنوير الناس و هدايتهم.

كان من الأفضل لرشيد في مطلبه “ترجمة القرآن إلى الدارجة” أن يناقش ولو على عجالة  مفهوم  الدارجة و مفهوم  القرآن في تقديمه.  فإذا كان تجنب ذلك عن عمد فهو خداع للمشاهد الكريم قبل أن يكون إهانة للقرآن. وإن كان تجنب ذلك عن غير عمد فالأمر إذاً  مصداق لما قاله الإمام علي ع :   من ترك قول : ” لا أدري ” أصيبت مقاتله ٠ 

* باحث مغربي في العلوم الدينية والسياسية

yasserhshassani@gmail.com

هوامش

١ . Dumas, Bethany K. and Lighter, Jonathan (1978) “Is Slang a Word for Linguists?”  53 (5): 14-15

٢ . قناة “الحياة” التبشيرية،  دسمبر ٢٠٠٩ 

٣ . Now therefore, kill every male among the little ones, and kill every woman who has known man intimately. But all the girls who have not known man intimately, spare for yourselves. (Numbers 31:17-18)

23 مارس 2010 مرايا برس