مقالات دينية

الذبح العظيم بين طائفتين : طائفة الحسين عليه السلام وطائفة الكبش

ياسر الحراق الحسني/ لسنا نختلف كمسلمين على سنة الذبح تخليداً لذكرى إمتثال إبراهيم لما ورد في رؤياه من فداء لإبنه قربة إلى الله سبحانه وتعالى. فمن الثابت أن ذبح شات أو كبش – مع إختلاف الروايات عند مصادر المسلمين عموماً- قد حدث.

لكن السؤال الجدير بأن يطرح هو التالي: إذا كان سبحانه قال :”وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ” ١ وقال كذالك : “إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْبَلاء الْمُبِينُ” ٢، فأين وجه العظمة عند الكبش أولاً ؟ ثم ثانياً، ورود وصف البلاء بكونه مبين، وكلمة ” مبين” في القرآن على إختلاف مواردها كانت دائماً مصداقاً لمعنى البيان والتبيين كما في هذه الأمثلة : قرآن مبين، نور مبين، حق مبين، إمام مبين، لسان عربى مبين، رسول مبين، نذير مبين، فوز مبين وغيرها الكثير مما يدل على أن الموصوف بكلمة “مبين ” إنما هو واضح بنفسه موضح لغيره. فمن البديهي القول أن القرآن واضح بكونه قرآن موضح لما فيه من محتوًى. والنور المبين واضح كونه نور موضح لما أو لمن استنار به. و اللسان العربي واضح أنه غير أعجمي وأنه عربي في حد ذاته و لكنه أيضاً مبين لأمر آخر وهو أنه كلام الله الذي لن يأتي أحد بمثله؛ وهكذا مما يؤكد ملازمة معنيي البيان والتبيين لكلمة مبين. ومن هنا نتساءل: إذا كان ذبح الكبش أو الشات يفيد في قضية البلاء، فالبلاء بنفسه فيما يفيد وماذا جاء ليبين كي يصفه الله سبحانه بالمبين ؟
طائفة الكبش:
جاء في تفاسير الجمهور كإبن كثير مثلاً ما عليه اجماعهم من أن الذبح العظيم هو كبش أبيض أعين أقرن قد ربط بسمرة ٣. وجاء في تفسير القرطبي ما يؤيد هذا المعنى مع توضيح لما لكلمة “عظيم” من معاني مستشهداً بما قاله النحاس :”عظيم في اللغة يكون للكبير وللشريف . وأهل التفسير على أنه هاهنا للشريف , أو المتقبل” ٤. وهذا ما يجعل اللبيب يتسأل : إذا كان الذبح العظيم هو الكبش فلماذا لم يقل سبحانه وتعالى: وفديناه بكبش عظيم ؟ ثم هل يصف الله سبحانه وتعالى الكبش بأنه عظيم ؟ و كيف يكون الكبش عظيماً بالمعنى الذي ذكره القرطبي من الكبر والشرف ؟ كلا فديننا ليس كالهندوس ليصف كبشاً بأوصاف السادة والشرفاء. ولأجل هذا وجب الرجوع إلى أهل البيت عليهم السلام الذين هم ترجمان القرآن لنرى ما هو تفسير هذه الآية المباركة.
فقد تبين أن الكبش ومع إستعماله في محل ذبح إسماعيل لأجل سنة النحر في حين تناول إبراهيم للسكين، فأنه ككبش لا يرقى لدرجة العظمة والشرف وعلو المنزلة. فما القصة الحقيقية إذاً ؟
طائفة الحسين عليه السلام:
جاء في روايات أهل البيت عليهم السلام ما رواه الشيخ الصدوق (رض) بسنده عن الفضل بن شاذان قال : سمعت الرضا عليه السلام يقول : لما امر الله تعالى ابراهيم عليه السلام ان يذبح مكان ابنه اسماعيل الكبش الذي انزل عليه تمنى ابراهيم عليه السلام ان يكون قد ذبح ابنه اسماعيل بيده، وانه لم يؤمر بذبح الكبش مكانه ليرجع إلى قلبه ما يرجع الى قلب الوالد الذي يذبح اعز ولده بيده، فيستحق بذلك ارفع درجات الثواب على المصائب، فأوحى الله عز وجل اليه : يا إبراهيم، من أحب الخلق اليك ؟
قال : يا رب ما خلقت خلقاً هو احب اليّ من حبيبك محمد صلى الله عليه وآله، فأوحى الله عز وجل : يا ابراهيم، هو احب اليك ام نفسك ؟
قال : بل هو احب اليّ من نفسي
قال : فولده احب اليك ام ولدك ؟
قال : بل ولده
قال : فذَبحُ ولده ظلماً على يدي أعدائه اوجع لقلبك او ذبح ولدك بيدك في طاعتي ؟
قال : يا رب بل ذبحه على ايدي اعدائه اوجع لقلبي
قال : يا ابراهيم، ان طائفة تزعم انها من امة محمد صلى الله عليه وآله ستقتل الحسين عليه السلام ابنه من بعده ظلماً وعدواناً كما يذبح الكبش، ويستوجبون بذلك سخطي.
فجزع ابراهيم عليه السلام لذلك فتوجع قلبه وأقبل يبكي، فاوحى الله تعالى اليه : يا ابراهيم، قد فديت جزعك على ابنك اسماعيل لو ذبحته بيدك بجزعك على الحسين وقتله، وأجبت لك ارفع درجات اهل الثواب على المصائب، وذلك اقول الله عز وجل : {وفديناه بذبح عظيم} ولا حول ولا قوة الا بالله العلي العظيم ٥ .
لقد رأينا كيف أن تفاسير الجمهور لا تجيب عن مسألة عدم ذكر الكبش والإكتفاء بذكر الذبح مع تعظيم وتشريف هذا الذبح. بينما تجد تفاسير المعصومين عليهم السلام مرتبطة بالقرآن إرتباطاً وثيقاً. وهذا الإرتباط يتجلى في إثبات جلال قدر إبراهيم الذي مع أمره بذبح الكبش لم ينفك يتمنى لو كان قد ذبح ابنه قربة إلى الله . هذا مقارنة بالجمهور الذي يصور إبراهيم وكأنه ومع تسليمه بأمر الذبح، إلا أنه وجد بعد ذالك راحةً من هذا العبء مع ورود الكبش. والأولى أنسب لنبي الله إبراهيم عليه السلام من الثانية. أي أنه -إبراهيم- ظل يتمنى لو نفذ هذا الأمر. والناحية الثانية هي تجلي البلاء وتحققه واقعناً ليكون بذالك مبيناً. ومن هنا نشير إلى أنه إذا كان رسول الله محمد صلى الله عليه وآله أحب الخلق إلى الله إطلاقاً بإجماع أهل القبلة، فلا يكون ابنه الحسين إلا أحب إلى إبراهيم من إسماعيل. وبذالك يكون ذبح الحسين روحي له الفداء أعز على إبراهيم من ذبح إسماعيل وإخبار الملك لإبراهيم بإستشهاد الحسين في كربلاء لعمري هو عين تحقق البلاء المبين الواضح بذاته و المبين الموضح لما يجري على إبن خير خلق الله من مصائب. وبهذا يكون إبراهيم قد ابتلي بإبنه ثم بمن هو أعز عليه من ابنه. ومقتل الحسين فيه تحقق البلاء والثواب. و لا يمكن لأحد إنكار حقيقة إيحاء الله سبحانه وتعالى لأنبيائه من أنباء الغيب.و يجدر بالذكر أن الرضا عليه السلام كان يروي عن أبيه الكاظم عن أبيه الصادق عن أبيه الباقر عن أبيه زين العابدين عن أبيه الحسين عن علي إبن أبي طالب عن رسول الله الأعظم عن جبرائيل عن الله.
لقد جرت سنة العقلاء في تقديم الأهم على المهم إذا تزاحما. فما بالك إذا تزاحم الأهم وغير المهم. إننا بعد الإطلاع على هذين التفسيرين نقف أمام أمرين. فمن ناحية عندنا تفسير الجمهور الذي يترك تساؤلات وغموض حول قصة إبراهيم كما ذكرنا بطريقة لا ترقى بالتفسير المذكور إلى درجة مهم. ومن ناحية اخرى عندنا تفسير أهل البيت عليهم السلام الذي لا يترك تساؤل إلا رده وهو بذالك الأهم. ومنه لا يسعنا إلا تقديمه والقول به.
________________
١ الصافات ١٠٧
٢ الصافات ١٠٦
٣ تفسير إبن كثير، سورة الصافات/١٠٧، موقع الإسلام ،المملكة العربية السعودية ،وزارة الشؤون الإسلامية والأوقاف والدعوة والإرشاد
٤ تفسير القرطبي، سورة الصافات/١٠٧، موقع الإسلام ،المملكة العربية السعودية ،وزارة الشؤون الإسلامية والأوقاف والدعوة والإرشاد
٥ تفسير الإمام الرضا (ع) في قوله فديناه بذبح عظيم، كتاب تفسير الصافي ص ٢٧٨ ـ ٢٨٩

المجمع العالمي لمعرفة الشيعة والتشيع  18-04-2010