مقالات سياسية

العرف الاعتقادي المُسَيَّس 2

ياسر الحراق الحسني/ كما سبق تعريفه في المقال الأول، العرف الاعتقادي المُسَيَّس عرف تربي المسلمون من خلاله على نمط تفكيري يلغى فيه العقل والمنطق بفحش لافت لخدمة جوانب تنظيرية سلطوية غالباً ترجع لفترتي الأمويين و العباسيين.ومع الإتيان بمثال كيفية تناول قضية إستشهاد الرسول ص، تبين كيف يمر عليها العرفيون -وهم أغلبية بين المسلمين- مر الكرام، بالرغم من أهميتها ومركزيتها في تحديد الحقائق التاريخية لهذه الأمة. فكان الملاحظ هو إهمال التاريخ و النص القرآني في هذه القضية العادلة بسبب التدجين الفكري الممنهج الذي طال الأمة الإسلامية وكان أساسه تولي أغيلمة قريش للحكم.

فهم الذين استعملوا المقدس للضرب في المقدس في فترة تدوين حساسة و جعلوا الناس لا على دينهم فقط لكونهم ملوكهم، بل وجعلوهم على نمط فكرهم. وفيما يلي مثال على تغييب العرف الاعتقادي المُسَيَّس لثوابت الأوطان من خلال التطرق لقضية إستشهاد إدريس بن عبد الله على يد الطاغية هارون العباسي و قضية ذم البربر في الأحاديث. وبهذا نكون قد اعطينا الموضوع طابعه المغربي في محاولة لإنصاف بعض رموز هذا القطر الإسلامي العريق.
قضية إستشهاد المولى إدريس
يعتبر إدريس بن عبد الله المعروف بمولاي إدريس الأول من أقدس الشخصيات التاريخية في المغرب. وكان المؤسس لأول دولة إسلامية في المغرب. وجلالته في نفوس المغاربة من المسلمات. يقام له موسم كل سنة و هو جد غالبية الأشراف أو السادة الحسنيين بالمغرب. وهو القائل في رسالته للمغاربة هذا الكلام :” بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله الذي جعل النصر لمن أطاعه وعاقبة السوء لمن عصاه ولا اله إلا الله المتفرد بالوحدانية.. وصلى الله على محمد عبده ورسوله وخيرته من خلقه.. صلوات الله عليه وعلى آله الطيبين، أما بعد فإني: أدعوكم الى كتاب الله وسنة نبيه (صلى الله عليه وآله).. ورفع المظالم والأخذ بيد المظلوم وإحياء السنة وإماتة البدعة وإنفاذ حكم الكتاب على القريب والبعيد. واذكروا الله في ملوك غيروا وللامان خفروا ولعهد الله وميثاقه نقضوا ولبني نبيه قتلوا، وأذكركم الله في أرامل احتقرت وحدود عطلت وفي دماء بغير حق سفكت، فقد نبذوا الكتاب والاسلام فلم يبق من الاسلام إلا إسمه ولا من القرآن إلا رسمه..” ١.
من خلال رسالة المولى إدريس هذه يتضح أن مبايعة المغاربة له كانت إحتضاناً لمضمون رسالته لهم في إستنكار لجبابرة العباسيين وغيرهم ممن سلف من الذين أماتوا السنة وأحيوا البدعة وجعلوا من العلويات أرامل تحتقر و قتلوا وشردوا ذرية نبيهم وعطلوا الحدود ونقضوا ميثاق الله ورسوله.
إذا أضفنا إلى هذه الرسالة اللوحة المنقوشة على الحائط الأيسر لمدخل ضريح المولى إدريس، والتي نقش عليها بالخط المغربي أن إدريس مات غيلة بالسم بأمر من الخليفة هارون العباسي، فهذا كافٍ لكل مغربي غيور كي يقوم بإدانة وتجريم هارون العباسي والإعتبار من تاريخه الأسود المليء بالإرهاب و الإستبداد.
إن أكثر الدول -كي لا أقول الشعوب- تخلفاً في العالم اليوم لا تسمح بالنيل من رموزها التاريخية فكيف بنا يا ترى نمجد الذين قبروا مجدنا وأطفأوا شموعنا الحضارية الواحدة تلو الأخرى! إن الجواب لهذا يكمن في العرف الاعتقادي المُسَيَّس الذي أدخله دعاة الإنتصار لأغيلمة قريش الذين دخلوا إلى المغرب بعد سقوط الدولة الإدريسية.
واضف عليهم المنتصرين الجدد لأغيلمة قريش ممن يحاولون تلميع هذه الشخصية الظالمة من خلال مسلسل هنا وبرنامج هناك أملاً في إغراق الشعب المغربي في إعتقاد ظاهره الدين وباطنه السياسة. إنه لمن المنكرات أن يكون في المغرب مواطن واحد يمجد هذا الطاغية. فالتمجيد به تصفيق للشيطان و تأمين لدعاء الظالم و إجهاز على قاعدة الإنصاف و قفز من منبر المعقول إلى مجمر اللامعقول.
هنا تستوقفني الإجابة الإستباقية على تساؤل قد يقع في ذهن القارئ الكريم، ألا وهو الإستغراب من التعرض لهارون العباسي بهذا الشكل وهو الذي كان في عصره الإزدهار الحضاري وتقوية الدولة وكما قيل نشر الإسلام وغيرها.
هنا لا بد من الإشارة إلى أن الإزدهار الحضاري لا يدل على عدالة أو إيمان حاكم و إلا كان الأجدر بمن يذهب هكذا مذهب أن ينسب العدل والإيمان لفرعون مثلاً الذي كان صاحب حضارة، وليسمه فرعون الرشيد. إن الحجة على أن هارون العباسي كان مجرماً قائمة بذاتها من خلال التواتر. ففي قضية تسميمه لمولاي إدريس، بل وأخطر منها سجنه وتسميمه للإمام الكاظم ع ٢، الحجة الدامغة التي تجعل الإشكال عليها إنقلاباً على الحقيقة.
إن قضية إستشهاد المولى إدريس لها رمزية دينية وتاريخية تعد من ثوابت المغاربة، و هم لا يحتاجون مسلسلات لتعليمهم الإعتقاد بنزاهة القاتل والمقتول. ويعد الإنتباه إلى هذه القضية وتخليدها تحرراً من العرف العباسي سواءٌ كان قديماً أو جديداً. وكل محاولة للتغطية على مظلومية المولى إدريس هي محاولة للنيل من الثوابت الوطنية.
قضية ذم البربر في الأحاديث
البربر أو البرابرة الذين سكنوا المغرب قديماً هم من إستقدم المولى إدرس وبايعوه على رأس أول دولة إسلامية في المغرب. تجدر الإشارة هنا أن علاقة البربر مع الأئمة من آل محمد ع و خاصةً منها المصاهرة وبالأخص والدة الإمام موسى الكاظم ع السيّدة الجليلة حميدة المغربية لم تكن من قبيل الصدفة. وأي عقل يقبل مجيء رجل من المشرق إلى قوم في المغرب معه مولى و دابة فيبايعونه ملكاً! إذا كانت أم الإمام موسى الكاظم ع وهي بربرية قد لقبها الإمام الباقر ع بالمحمودة في الدنيا والآخرة ٣، و لقبها الإمام الصادق بالمصفاة من الأدناس ٤، و قومها بايعوا سليلاً من الدوحة العلوية فلا غرابة إذاً من آن تجد أحاديث يضعها الطرف غير المستفيد من هذه المعادلة و المتسلط على وسائل الإعلام آنذاك من طبع ونشر وينسبها كذباً إلى رسول الله ليقدح فيمن يرى أنهم خصومه.
ولست هنا بصدد الدخول في مناقشة رجالية ولكنني أنظر إلى المسألة من باب ضرب القول ببعضه والإلتفات إلى القرائن التاريخية الموثوقة. مثلاً، حينما نجد في مسند أحمد بن حنبل حديث كالتالي: “جلس إلى النبي صلى الله عليه وسلم رجل، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم من أين أنت؟ قال بربري. فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: قم عني…فلما قام عنه أقبل علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال ان الإيمان لا يجاوز حناجرهم” ٥. هنا لا يمكن الحكم عقلاً على هذا الحديث إلا بالوضع ولايمكن الحكم عقلاً على واضعه إلا بالنصب لأهل البيت ع. و لعل الغرض الأساسي كان النيل من الأئمة ع بطريقة غير مباشرة إضافة إلى خلق فتنة بين البربر و العرب كي لا تقوم للمنتصرين لأهل البيت قائمة في بلاد البربر.
فإذا كان العباسيون كيفوا اعتقادات العباد في الماضي البعيد للتخلص من إدريس، فإن بعض الحركات المتطرفة كالوهابية مثلاً تحاول بث نفس الإعتقادات في واقعنا المعاش لتوجيه الشباب ضد ماضيه من الناحية التصورية وحاضره من الناحية التطبقية؛ وظاهرة التكفير وجلد الموروث الشعبي مصداق لذلك.
يستفاد مما ذكر أن العرف الاعتقادي المتمثل في تمجيد الطغاة كهارون العباسي والتسليم بما دونته مكنتهم الإعلامية من أعراف على مستوى الإعتقاد لا يمكن أن يواكب مسيرة التقدم التي يسعى إليها قطر إسلامي عريق كالمغرب. والإنخراط في الترويج لثقافة سلف كهذا بما يحمله التاريخ عنه من إنتهاك للحرمات ومس بالمقدسات انما هو هدم للثوابت الوطنية قبل أن يكون حجر عثرة أمام عقلنة الخطاب الديني و تصحيح مساره.
………………………….
هوامش
١. تاريخ المغرب الكبير ٢/ ٤٦٦ -٤٦٧
٢. إبن الجوزي المنتظم في التاريخع ٣ / ١٤٧ أيضاً: – الخطيب البغدادي تاريخ بغداد ج ١٣ رقم ٦٩٨٧
٣. الكافي: ج ١ ص ٤٧٦ باب مولد أبي الحسن موسى بن جعفر (عليه السلام) ضمن ح ١
الكافي: ج ١ ص 477 ح ٢. ٤
٥. مسند أحمد بن حنبل. مؤسسة قرطبة، ٦ أجزاء. القاهرة، هامش شعيب الأرنؤوط ٢ / ٣٦٧ ح ٨٧٨٩
شبكة النبأ المعلوماتية- الثلاثاء 20/نيسان/2010 – 5/جمادى الأولى/1431