مقالات سياسية

البربر وسؤل التدوين

ياسر الحراق الحسني/  إستجابةً لطلب القارئ الكريم بأن أكون أكثر  دقةً  فيما يخص قولي بأن البربر في الحالة المغربية هم  الذين كتبوا تاريخهم بالعربية و استعملوها للتدوين، سوف أفرد هذا المقال لشرح ظاهرة إستعمال البربر لغير لغتهم على مر التاريخ عندما يتعلق الأمر بما قدموه من عظيم المشاركة على مستوى الحضارة الإنسانية. و مبحثنا هذا فيه تناول لتبني الأمازيغ – البربر-  للعربية وغير العربية بطريقة ينهار أمامها القول بأنهم قوم فرضت عليهم العربية فرضاً بحيث تم تغييب التيفيناغ  أو أبجدية البربر القديمة .

إن المتأمل في الموروث الحضاري عند القوميات المختلفة داخل النطاق الإسلامي وغيره  يرى بأن معظمها  أنتجت أعمالاً تتسم بطابع اللغة التي تنتمي  إليها. ففي معظم المساهمات الحضارية  يلاحظ إستعمال اللغة القومية لوحدها أحياناً  و أحياناً أخرى يلاحظ إستعمال اللغتين،  لغة الدولة و في نفس الوقت لغة الأجداد أيضاً . و لتوضيح الفكرة يمكن ملاحظة عدة نماذج. فمثلاً، جلال الدين الرومي كان فارسياً  و  عرف بالرومي لأنه قضى معظم حياته لدى سلاجقة الروم في تركيا الحالية. ومع ذلك تجد له أعمال بالفارسية مثل مثنوية المعاني – مثنوی معنوی- و الديوان -دیوان شمس تبریزی- وغيره. و مؤدى هذا المثال يشرح إحتفاظ بعض القوميات بالخصوصية اللغوية في مجال التدوين على الرغم من التواجد في مجالات ثقافية مختلفة.  و في مثال آخر تجد الكردي مولى أحمد -ت  1494 -صاحب كتاب “مولد”  الجامع للمقتطفات الشعرية بالكردية تعبير عن أعلام قومية دونت بلغتها في فضاءات ثقافية من لون آخر. أما من قام بالتدوين مستعملاً اللغة الأم ولغات أخرى من أعلام قومية  فتجد كمثال الكردي  إسماعيل البيزيدي – ت   1710- صاحب مسرد ” كولزين” بالعربية والفارسية و الكردية كمؤلف للناشئة.

و هناك مثال آخر يمكن عرضه في هذا السياق وهو  رجل الدين اليهودي سعيد بن يوسف الفيومي‎ الذي ولد في القاهرة ومات سنة 942 ببغداد والذي ألف بالعبرية في الفلسفة و اللاهوت و نواحي علمية أخرى. وله كتاب الأمانات ” امونوت فيديوت ” وكتاب التمييز “سفر هاهكرا” وكتاب الإحتفال ” سفر ها مواديم ” إلخ.. و بن يوسف هذا  كان أب اليهودية العربية لكثرة اعماله بالعربية التي لم تمنعه من التدوين المفرد بلغة قومه.

تعد هذه النماذج مبعثاً للإطمئنان  إلى كون تواجد قوميات معينة في فضاءات تطغى عليها لغات و ثقافات  مختلفة لا يمنع تلك القوميات من توريث خصوصياتها اللغوية عبر تدوين الشعر و الحكم و القصص الشعبية.

إن  السؤال عن نتاج حضاري تدويني عند البربر على غرار الفرس و الكرد واليهود -سلالةً  –  كما جاء في الفقرة السابقة يعد سؤالاً مشروعاً. و التركيز على مسألة التدوين يعتبر أمراً في غاية الأهمية، لأنه إذا ثبت التدوين الأمازيغي  يكون القول بتغييبه من الممكنات. أما إذا لم يثبت حدوث تدوين أمازيغي فتكون النتيجة استحالة تغييب شيء لم يوجد بالأصل. و إذا قال قائل بإستحالة إثبات التدوين لأن تغييب التدوين الأمازيغي بعد الإسلام  كان أسبق من إكتشافه، فإننا ومع هشاشة هكذا قول سوف نرجع لما قبل الإسلام في ذلك. و هذه المناقشة لا تتم إلا بتأمل نماذج من أعلام البربر التدوينية.

لقد كان لوكيوس أبوليوس – ت 180 – فيلسوفاً و شاعراً بربريا  له مؤلفات عديدة، يجدر بالذكر إستعماله للغة اللاتينية في تدوين اعماله.  فهل يا ترى كان أبوليوس مجبراً على الكتابة باللاتينية؟ ثم ما الذي منعه من الكتابة مستعملاً  التيفيناغ التي هي أبجدية البربر؟ هل من المعقول أن يكون أمثال أبوليوس من ضحايا هوية معالمها  القلنسوة الرومانية ؟ -هذا إن لم نقل الطربوش التركي- .. بالإمكان أيضاً إستحضار نموذج طارق بن زياد البربري – على إجماع المؤرخين إلا القليل ممن قال عن أصوله الفارسية – وذلك بإستفهام  غياب رسائل وخطب و أعمال بالبربرية.  فجنرال بحسب التعبير المعاصر من هذا النوع لا أظن أنه من المعقول القول بوجود قيود عليه تجبره على  إستعمال العربية.  و هذا أساس ما يبني عليه التيار الأمازيغي اطروحته هذه الأيام، حيث الترويج لنظرية إستعمار العرب لبلاد البربر و سحق ثقافتهم ولغتهم أو هويتهم كما يحلو للبعض تسميتها. فإذا تركنا بن زياد و اتجهنا شمالاً إلى الأندلس فإننا نجد نموذج   عباس بن فرناس الأمازيغي  -ت  887 – الذي يجدر إستفهام سبب عدم تدوينه بالأمازيغية مستعملاً التيفيناغ!  و إذا قطعنا مضيق جبل طارق لنعود إلى المغرب وتحديداً طنجة فهناك أكثر من نموذج يفيد في المطلب، ولعل خير هذه النماذج  صاحب الرحلة الفخر محمد ابن عبد الله اللواتي الطنجي بن بطوطة، هذا العلم الذي يرمي بنظريات التيار البربري الحديث المؤامراتية عرض الحائط ، إذ لو كان هناك  جبر وتقييد للتدوين بالعربية في المغرب وكان الأمازيغ مكتوفي الأيدي لذهب بن بطوطة إلى الصين و لدون بالتيفيناغ إلى آخر أيامه. ولكن رحلته العالمية بعالم عصره ثم عودته وتدوينه بالعربية تصريح ببطلان مزاعم القائلين بتغييب الآمازيغية. وأخيراً و ليس آخراً، إذا كان الأمازيغ  الأمجاد انتجوا حركة مقاومة جبارة كتلك التي كانت بقيادة  مُحَمد بن عبد الكريم الخطابي في عشرينيات القرن الماضي فكيف يعقل أنهم لم ينتجوا حركة تدوينية أمازيغية ؟؟  ألم تكن  مثل هذه الحركات انعكاسات لوجود مجال إستقلالي حر يتم فيه التنظير  قبل التنظيم للمقاومة ؟ ألم تكن هناك مجالات تأثيرية للتيار الشعبي و للأعيان  في مناطق مارست السيادة وإن مؤقتاً ؟

إنه ومن  خلال ما سلف من  ومضات  يتبين أن أعلام الأمازيغ الكرام تبنوا غير التيفيناغ فيما يخص التدوين. و من غريب ما يلاحظ هذه الأيام هو أن بعض المحسوبين على التيار الأمازيغي و إن كانوا احراراً في تدوين الأمازيغية  بالتيفيناغ فإننا لا نفهم ممارستهم للتدوين بالعربية في الصحف المغربية مثلاً. إذا كانوا يتهمون من قبلهم بالإننهزامية، فما عليهم الآن إلى إن يخرجوا لنا من الجامعات الأوروبية و المغربية و في وسائل الإعلام ما في جعبتهم للمشاركة في إغناء العلوم الإنسانية بالأمازيغية، هذا عوض البحث عن أوراق في التاريخ لا يجد المؤرخون لإثباتها سبيلا.

____

مراجع

The Kurds: A Concise Handbook. Prof. M. Izady، Dep. of Near Easter Languages and

Civilization Harvard University، USA، 1992

Encyclopedia Americana، Scholastic Library Publishing، 2005، v.3، p.569

Cassius Dio، Dio’s Rome، Kessinger Publishing، 2004، v.5، p.117

Scheindlin، Raymond P. (2000). A Short History of the Jewish People: From Legendary Times to Modern Statehood (Illustrated ed.). Oxford University Press US. p. 80

R. Dozy، Recherches sur l’histoire et la littérature de l’Espagne musulmane pendant le Moyen Âge، Paris-Leyde، 1881

J. Vernet، Abbas Ibn Firnas. Dictionary of Scientific Biography (C.C. Gilespie، ed.) Vol. I، New York: Charles Scribner’s Sons، 1970-1980. pg. 5.

Nehru، Jawaharlal (1989). Glimpses of World History. Oxford University Press. pp. 752

هسبريس  4-7-2010