مقالات دينية

وانشق القمر..وقفة مع فِكْرانية البتر عند فضل الله

ياسر الحراق الحسني/ترك السيد محمد حسين فضل الله من الأفكار في مشروعه الإنفتاحي الوحدوي ما يشكل منضومة يمكن اعتبارها فِكْرانية* بإمتياز. وتكمن فِكْرانية هذه المنظومة في تحديدها للرؤية والهدف وطرحها أفكاراً للوصول إليه.

فإذا كان هدف فكرانية فضل الله هو الإنفتاح على الآخر والوحدة بين المسلمين كما سمعنا منه مراراً، فالأولى عدم تجاهل الأفكار التي صاغها من أجل تحقيق هذا الهدف. والمتأمل في هذه الأفكار التي سنتناول نماذج منها في هذا المطلب سوف يرى تقاسمها لعنصر مشترك أعبر عنه بعنصر البتر، وذلك لكون هذه الأفكار قائمة على بتر أفكار أخرى من الثقافة الإسلامية بنحو يمر عبر مستويات ثلاث. فالمستوى الأول بتر من سياق ظاهر القرآن والثاني من السياق الإسلامي العام والثالث من السياق الشيعي الخاص. أفكار بتر يقوم فيها فضل الله بالتخلص من كل الأجزاء التي قد تعرقل الوصول إلى هدف الإنفتاح على الآخر والوحدة الإسلامية. في طوايا هذا المقال توثيق لأهداف فكرانية البتر عنده وعرض لبعض الأفكار المؤسسة مع مناقشة لبعض الإشكالات ذات الصلة.

الهدف بتعبير فضل الله

إخترت هذا المقطع من أقوال فضل الله لتعبيره عن ملخص هدف فكرانيته حيث يقول: ” أطلقوا الإسلام في الهواء الطلق ليتنفس في دائرة الضوء ولا تحبسوه في العلب الطائفية المظلمة فإنكم بذلك تحررون أنفسكم وواقعكم وحاضركم ومستقبلكم من كل أغلال الآخرين. لنكن الفكر الذي يصرخ ويوحي ويحاور في ساحات الإنسان لا الطبل الذي يرن ويدوي في الفضاء ” 1. يتضح من هذا القول الشامل هدف فكرانية فضل الله الذي يتحقق من خلال الخروج من الخصوصيات الطائفية وتكوين فكر إسلامي موحد في ذاته محاور لما حوله من فكر إنساني. ولعل إستعمال الطبل خصوصاً فيه إشارة تسقيطية لشأن شعائر بعض المسلمين على إعتبار التلميح لعدم جذوائيتها لمحدودية دويها في الفضاء، عوض الصراخ والإيحاء والحوار في ساحة الإنسان. والسؤال الذي يطرح نفسه هنا هو : ما هي إذاً هذه الأفكار التي يجب بترها من الموروث الإسلامي الخاص والعام ليتحرر المسلمون ويتحدون ويتموقعون في ساحة الفكر الإنساني ؟

نماذج البتر في فكرانية فضل الله

تعتبر نماذج البتر في هذه الفقرة جواباً على سؤال الفقرة السابقة، وفيما يلي نماذج على مستويات ثلاث:

أولاً : مستوى سياق ظاهر القرآن

لقد أفصح عيسى ع حينما نطق في المهد عن أمر نبوته بتعبير الآية : “قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا”. والعبارة جداً واضحة بكونه ع نبي وهو في المهد. فالذي بتره فضل الله من هذه الآية الكريمة هي نبوة عيسى في المهد والقول بأنه ع كان فقط يخبر عن نبوته في المستقبل. يقول فضل الله عن عيسى في تفسيره لهذه الآية : ” وهكذا أخذ يتحدث اليهم عن صفته المستقبلية” 2 . ويمكن إبطال هذه الفكرة من باب كون النطق في المهد لا يكون إلا لإثبات النبوة الواقعية بالحال، وليس لدفع تهمة الزنى عن مريم ع . فمضمون الولادة المعجزة والنطق في المهد لا يعقل أن يكون هدفه الإخبار بأن عيسى سيكون نبياً في المستقبل. وحتى إذا سلمنا بذلك فإن واقع الإخبار بالغيب في حد ذاته من اختصاصات الأنبياء على إتفاق عموم المسلمين.

أما علاقة الخروج بفكرة بتر نبوة المهد بهدف فكرانية فضل الله الذي هو الوحدة والإنفتاح فيتضح فيما يلي: إذا تم نفي نبوة المهد لعيسى ع فيكون نفي إمامة الإمام الجواد ع من المحصلات. ذلك لأن الأئمة ع إستدلوا بهذه الآية في مناسبات عدة لإثبات إمامة الإمام الجواد ع . إذاً بنفي ظاهر القرآن من جهة والبتر من عقائد الشيعة من جهة أخرى نكون بحسب فضل الله أسسنا فكرة بترت ما فيه الخلاف وأقرت ما فيه الإئتلاف بين الشيعة السنة.

ثانياً: مستوى السياق الإسلامي العام

يمكن القول بأن المسلمين عموماً على إختلاف أطيافهم -ما عدا بعض السلفيين من ممجدي ثراث بني أمية- يعتبرون شخصية الرسول الأعظم ص فيها من الأسرار والآثار الغيبية ما لا يمكن حصره لجلال قدره وعظمة شأنه عند الله. فعندنا مثلاً في المغرب -و هنا نستثني الادينيين وأتباع الديانات الأخرى- لا تكاد تجد طالبا في الدين إلا ويستأنس هذا المأثور المشيشي لفظاً أو معناً: ” اللهمَّ صلِّ على مَنْ منهُ انشقَّت الأسرارُ، وانفلقَتِ الأنوارُ، وفيهِ ارتقَتِ الحقائقُ، وتنزَّلتْ عُلومُ آدمَ فأعجزَ الخلائقَ، ولهُ تضاءَلتِ الفُهومُ فَلمْ يُدْرِكْهُ منّا سابقٌ ولا لاحِقٌ، فرياضُ الملكوتِ بزهرِ جماله مونِقةٌ، وحياضُ الجبروتِ بِفيضٍ أنوارِهِ مُتدفّقةٌ، ولا شيءَ إلا وهوَ به منوطٌ، إذ لولا الواسِطةُ لذهَبَ كما قيلَ الموسوطُ”3. فيما تقدم من وصف تجد مثالاً على ما تعاقبت أجيال على معرفته عن شخصية النبي ص النورانية في المغرب. وبحسب علمي المحدود فإن هذا الجانب من شخصيته ص لا يجرؤ على إنكاره حتى سلفيو المغرب لعلمهم بثبات ذلك في قلوب المؤمنين واستقراره في ثقافة هذا القطر الإسلامي. وبالإضافة إلى هذا الجانب النوراني من شخصية النبي ص الذي أتينا بمثال عليه من المغرب، تجد عند المسلمين عامةً حضوراً للجانب الإعجازي، وفيه يمكن الأخذ بعين الإعتبار معجزات عدة لا تجد للمسلمين عليها إنقساماً. ولعل أبهاها للإستشهاد معجزتي شق القمر 4 والإسراء بالجسد، فترى عامة علماء المسلمين وخاصتهم قالوا بحدوث الإسراء الجسماني، ويؤيد هذا ما حصل لهذه المعجزة من الإنكار المبالغ فيه من كفار قريش 5.

كانت هذه أمثلة من السياق الإسلامي العام التي حصل عليها الإجماع بين المسلمين- وعلى أقل تقدير في مسألة النورانية هناك تسامح- في حين بترها فضل الله في فكرانيته. فمن ناحية شخصية النبي ص وما احاطها الله به من أسرار وأنوار تجد ه ينسب إلى المسلمين ذوي الإعتقاد المذكور كونهم يحيطون النبي بالأسرار للإيحاء بأنه يرتفع فوق مستوى البشر! لأن النبي ص بحسب رأيه ليس فوق مستوى البشر في إمكاناته الذاتية، وتفوقه على البشر انما كان بأخلاقه، وخطواته، ومشاريعه المتصلة برسالته 6 .و يحضرني هنا التساؤل عن مدى جدية هذا الطرح، إذ لو كان بلوغ مقام النبوة إستحقاق لإنسان لا يتفوق على باقي الأشخاص إلا من باب الأخلاق والخطوات والمشاريع لكان فضل الله نبياً لمقلديه ولما كان هناك داعي للإصطفاء أو لعالم الذر – في معناه القرآني- . ولعل ربط هذه الفكرة بهدف الفكرانية الذي هو الوحدة والإنفتاح قد يكمن في إستيعاب شرذمة صغيرة من السلفية بتقريب وجهات النظر من خلال التركيز على الجانب الأخلاقي وبتر الجانب النوراني من جهة،ومن جهة أخرى تقديم تحليل مادي بأقل قدر ممكن من الغيبيات للإنفتاح به على ساحة الفكر الإنساني.

أما بتر فضل الله لمعجزة شق القمر فأنا أؤيد ما ذهب إليه المحقق العاملي من كون بتر هذه المعجزة يؤسس لبتر معجزة رد الشمس لعلي ع. وفي هذا أرى خدمة هذه الفكرة لمشروع فضل الله الوحدوي إسلامياً والإنفتاحي إنسانياً. فحديث رد الشمس لعلي ع محل خلاف ونستبعده بإستبعاد شق القمر ومع هذا وذاك نستبعد الخلاف بين المسلمين وننفتح على الساحة الإنسانية دونما أفكار خرافية كما عهدناه توصيفاً من فضل الله. ولكن المتتبع يتفاجأ من كون حتى حديث رد الشمس لا ينكره إلا شرذمة سلفية صغيرة من وعاض الوهابية ومن أشبه وهو خبر متواتر 7،هذا لكي يتأمل المتأملون..ونفس المبدء يمكن إستخدامه في مسألة بتر الإسراء الجسماني لما فيه من مخالفة لرأي عائشة ومعاوية مما قد يتلف مشروع الوحدة..

ثالثاً: مستوى السياق الشيعي الخاص

من المعقول القول أن معظم الفكر العقائدي للشيعة -الإمامية الإثنيعشرية- تعرض لأنواع البتر الكلي والجزئي فيما يسمى بمشروع الوحدة والإنفتاح لفضل الله. ولكي لا نطيل الكلام، هنا نورد بعض النماذج بإختصار. إذا كانت الولاية والبرائة من فروع الدين عند الشيعة ومراجعهم على مر التاريخ، وعلى نهج الائمة ع سجلوا البراءة من الخليفة الأول أبي بكر تضامناً وإيماناً بقضية فاطمة الزهراء ع العادلة، ففضل الله سجل تعبير نقض البراءة والدخول في المودة مع الخليفة الأول بقوله :” وهناك من يرى الشرعية للخليفة أبي بكر رضوان الله عليه “8. وفضل الله لم يترض عليه من باب ماجاء في مضمون الآية :” صُبُّوا فَوْقَ رَأْسِهِ مِنْ عَذَابِ الْحَمِيمِ، ذُقْ إِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ ” 9, كما فعل السيد عبد الحسين شرف الدين الموسوي الذي عرف بإستعمال عبارة الترضي مع الإستغراق في الإنتقاد الحاد . ففضل الله لم يعرف بأعمال تناولت مثالب الصحابة بل وحتى تفاصيل مظلومية الزهراء ع شكك في صحتها. فمن هذا يمكن تسجيل بتر البراءة لكي لا يكون هناك خلاف في شخص مقدس عند السنة يعرض مثالبه الشيعة؛ وبالتالي يقطع دابر الخلاف! والإشكال في هذه الفكرة ينبني على قاعدة الإنصاف. فإذا كان الترضي على الخليفة الأول خطوة تنازلية الشيعة مطالبون بها لأجل الأولى -من الأولوية- وهو الوحدة الإسلامية فقاعدة الإنصاف تحتم على السنة الترضي تبادلياً على ابي لؤلؤة الذي هو محل إحترام وتقدير عند الشيعة ومحل لعن وتحقير عند السنة -ما عدا طبعاً من تبنى فكرانية فضل الله كالشيخ التسخيري مثلاً نائب رئيس مجمع التقريب بين المذاهب- . أليس من الظلم مطالبة الشيعة بالترضي على من أغضب بنت رسول الله ص في وقت يرفض فيه السنة حتى الترضي على أبي طالب ع حامي النبي ص ؟ وشتان بين الثرى والثريا، مقارنة مجحفة ما كنت لأقحمها إلا من باب الإحتجاج ضمن الإشكال الوارد. وأخيراً، من الأولى لمن يريد الإنصاف أن يطالب السلفية الذين يكفرون أبوي النبي لينزلوهم إلى منزلة قوم لم يرفعهم البطش والسلطان، عوض التسويق لمودة شخصيات تاريخية أقل ما يقال فيها هو أنها كانت ولا زالت مثيرة لجدل. كان هذا تبيان لما يطرحه عامل الإنصاف من اشكال على هذه الفكرة.

وكنموذج أخير في هذا السياق، يمكن المرور على فكرة الجزع على الحسين ع واظهاره تحت عناوين عدة كالضرب بالسلاسل مثلاً وإن كان دون الإضرار بالنفس. فالسيد فضل الله ممن يميلون إلى بتر الجزع وعقلنة الحزن من خلال اللطم الخفيف والحزن الهادئ، إذ يرى أن ضرب الظهور بالسلاسل تخلّفاً 10. ولعل ذلك من موجبات التنفير من الوحدة ومعيقات الإنفتاح على الساحة الإنسانية! وهنا يمكن طرح أكثر من إشكال على هذه الفكرة. وما اخترته هنا من الإشكالات القائمة هو إزدواجية معايير غير مبررة عند فضل الله في التعاطي مع هذه الفكرة. فلو كان الجزع على الحسين ع بما فيه من تعبير للمواساة واستشعار لمصائب آل الرسول ص وهذا مما يرجى منه ثواب الآخرة عند من يؤمن به، لو كان هذ حرام، فعلى أي أساس إذاً تنبني فتوى إعتبار الإضراب عن الطعام الإنتحاري في ساحة المعركة السياسية نوعاً من الجهاد؟ كيف يكون الأمر الأول الأخروي بما ثبت من عدم اضراره بحياة الناس تخلفاً وإذا أدى إلى مضرة حرام، في حين يكون الأمر الثاني الدنيوي المؤدي إلى الإنتحار الحتمي جهاداً ؟

و انشق القمر

.. تعبير لا يمكن لعاقل يؤمن بأن الله هو القدير أن يدرجه مدرج الإستحالة. نعم، إذا أراد من أراد حمل الإمكان على المستقبل فذلك مسلك منطقي وفيه موقف حيطة لا يخفى على اللبيب. والأنسب لمن يقول بإمكان الإنشقاق المستقبلي من باب الإحتياط إجلالاً لله أن لا يحرم إمكان الإنشقاق في عهد الرسول من حقه في الإحتمال. وإلا وجد القائل نفسه في مكان نسبة العجز إلى الله دونما مبالاة. وبمثل هذا يمكن القول بمعقولية إعطاء شخصية النبي ص الفوقبشرية حقها من الإحتمال وكذلك بالنسبة لباقي الأفكار المبتورة السالف ذكرها. ففي هذا إحترام للآراء ودرس في التعايش وتعليم للقادمين من ساحات مختلفة من الفكر الإنساني بأن يتعارفوا. والتعارف الذي يكون من خلال القبول بالآخر في جو تعايشي هو ما يتعين على علماء الإسلام الترويج له لأنه هدف قرآني واضح. أما فكرنة ثقافة بترية من أجل وحدة محكوم على تنفيذها بالوقف فهي بمثابة السراب الذي يحسبه الظمآن ماءً.

yasserhshassani@gmail.com
هذا البريد الإلكتروني محمي من المتطفلين و برامج التطفل، تحتاج إلى تفعيل جافا سكريبت لتتمكن من مشاهدته

______

الهوامش :

* الفِكْرانية مصطلح اقترحه الفيلسوف المغربي المعاصر طه عبد الرحمان في ترجمته ل” إيديولجيا” قياساً على صيغة “العقلانية” تجنباً للمعنى القدحي الذي قد يفهم من “الإدلاج” أو “الأدلجة” . راجع : “تجديد المنهج في تقويم التراث”، ط.2- ص. 25، الهامش الأول

1. الجزيرة، تغطيات 2010. فضل الله .. صوت الإعتدال والوحدة

2. من وحي القرآن ج 15 ص 40 ط 2

3. الصلاة المشيشية

4. المفسرون إتفقوا على قبول أخبار هذه المعجزة إلا ما ذكره تفسير القرطبي عن الواعض العباسي الماوردي مثلاً. وجاء في تفسير الميزان إن علماء الشيعة ومحدثيهم تسلموا الخبر بانشقاق القمر لرسول الله ص بحديث متواتر لا يمترى في تواتره.

5.لم ينكر الإسراء الجسماني بحسب بعض المصادر إلا عائشة ومعاوية لأنهما قالا : إنما كان الإسراء بروحه . راجع كتاب “زاد المعاد في هدي خير العباد” لابن قيم الجوزية، فصل: الفرق بين من قال كان الإسراء بالروح وبين أن يقال كان الإسراء مناما

6. من وحي القرآن ج 9 ص114 -115 ط 2

7. مشكل الآثار للطحاوي:2/8 وج4/388. ينابيع المودّة للبلخي القندوزي الحنفي صئقح. تفسير الرازي:32/126. وكذلك كنز العمال ومجمع الزوائد والصواعق المحرقة والسيرة الحلبية وغيرها ولا إعتبار لإهمال وعاض السلاطين لهذا الحديث.

8. الجزيرة، مراجعة 22-7-2010 من الشبكة العنكبوتية

9. الدخان: 48-49

10.محمد حسين فضل الله، حديث عاشوراء ص106

صحيفة المثقف . (العدد: 1471 الاربعاء 28/07/2010)