مقالات دينية

إستحالة الإنثنائية في التقديس

ياسر الحراق الحسني/ تعتبر مسألة التقديس من المسائل الملحة والمهم طرحها ومناقشتها في البلدان الاسلامية، والسبب في ذلك وجود نزعة إقصائية مخجلة عند المسلمين والتي يعبر عنها بعض الفقهاء والسياسيون والكتاب من خلال دعوات القتل والإرهاب في حق كل من يتحرك خلافاً لمعتقداتهم.
فهذا الوضع الفكري المتخلف يدعو للقلق وإنطلاقاً منه يأتي هذا البحث الذي سأحاول من خلاله إثبات استحالة الإنثنائية في التقديس. القول بإستحالة الإنثنائية في التقديس ينبني على كون المقدس انما وصف بالقداسة لكونه فاق مقام التشريف الذى قد يصدر عن الأفراد المؤمنين، وحاز مقام التقديس الذي يصدر عن مطلق القداسة كمصدر الوحي مثلاً . وبما أن الإختلاف في تحديد مطلق القداسة قائم بين الأديان والطوائف، فإنه لا بد من وجود إختلاف في الموضوع أوالمادة المقدسة. وعليه تجد ما هو مقدس في مناخ ديني معين عرضةً لأن يكون دون ذلك في مناخ مختلف. في هذا السياق سأعرض نماذج للتعارض المقبول للمقدسات وكذلك نماذج لفشل الدعوات إلى الإنثنائية في التقديس مع تفصيل في مراتب هذه الأخيرة.

نماذج التعارض المقبول للمقدسات
يعتبر إيمان المسلمين بأن عيسى ع نبياً وليس إلاهاً من المسلمات التي لا حاجة لإثباتها، ويعتبر إيمان النصارى بربوبيته ع أيضاً من المسلمات عندهم. فنوع التقديس الذي يتميز به المسيح عند النصارى إذا ما قارناه بنوع التقديس المتدني بالمقارنة عند المسلمين فإننا نخلص إلى كون المسلمين ينالون من مقام الربوبية كما يعتقد به أهله عند المسيح، وهذا ما يبرر لإعتباره إهانة. إذ إنزال من يقال بربوبيته منزلة البشر في حد ذاته إساءة. فبالرغم من هذا لا تجد مسيحياً عاقلاً يستعدي مسلماً لهذا الغرض بسبب استحالة الإنثنائية في التقديس. فلكلٍ رؤيته الخاصة رغم الإنتقاص المفروض. وإذا ما أخذنا بعين الإعتبار رفع النصارى عيسى ع إلى مقال الربوبية كما يراه المسلمون، فإن ذلك يعد إساءةً إلى الله سبحانه وتعالى. فمع وجود الإنتقاص والإساءة إلى جوهر العقيدة من الطرفين، فإنه لا تقام الحروب لهذا السبب، ولا رأينا رجال الدين والعلماء والكتاب من الطرفين يحرضون على الإرهاب في حق الآخر لمسه بجوهر العقيدة ومطلق القداسة التي هي وجهة المعبودية.
يقول مهاتما غاندي:” عندما أرى بقرة لا أعدني أرى حيوانا لأني أعبد البقرة، وسأدافع عن عبادتها أمام العالم أجمع”1 ، ومع ذلك لا يعقل أن يشن الهندوس حملات انتحارية لإيقاف الممارسات التي تهتك بمقدساتهم، ولا يمكن أيضاً للأمم الأخرى العناية بالبقر وتحريم ذبح هذا الحيوان -الذي هو معبود عند البعض- تفادياً للفتنة! فمعرفة سر عدم قيام النزاعات بين الأديان يعود إلى استفادة البشرية من الماضي واجماعها – مع إستثناء حركات فكرية بازلتية مثل الكو كلوكس كلان والوهابية وما أشبه – على أن التقديس ليس فيه إنثناء أو مرونة، وأن التعايش مع إحترام الآخر كآخر دون إحترام مقدساته بالضرورة شيء لا مفر منه.

بطلان الدعوة إلى الإنثنائية في التقديس
الدعوة إلى الإنثنائية في التقديس معناها مطالبة أفراد مناخ ديني معين بإطفاء صبغة القداسة أو المساعدة في تحقق تقديس ما- أو من- لا قداسة له عندهم ولها ثلاثة مراتب: الأولى إنثناءٌ مع الإرتفاع بصفةٍ والثانية إنثناءٌ مع التنازل عن صفةٍ، والثالثة إنثناءٌ مع السكوت عن أصل الموضوع.

مثال الإرتفاع بصفةٍ
كمثال للإرتفاع بصفةٍ يمكن الرجوع إلى ترضي المفكر محمد حسين فضل الله على الخليفة الأول الذي هو رمز سني مرتفعاً به من درك التبرؤ إلى درجات الرضوان2. ويستثنى من هذا المثال من ينتقل بقناعاته إلى مناخ ديني آخر لأنه بذلك تنطبق عليه معايير ذلك المناخ. فالإنثنائية في التقديس لا تشمل مثلاً إرتفاع العلامة عبد العزيز بن الصديق المغربي بمقام علي ع فوق كل الصحابة لأن ذلك ليس من باب الإنثناء في التقديس وانما من باب التشيع. وكمثال ثاني في هذا الخصوص تجد المطالبة الاجتهادية للسيد كمال الحيدري الشيعي من الشيعة بالإرتفاع بصفة أزواج الأنبياء عموماً وعائشة خصوصاً من درك إرتكاب المنكر إلى درجة التنزيه عن ذلك 3. وهذا خرق صارخ لمضمون الآية الشريفة :   ( ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ كَفَرُوا اِمْرَأَةَ نُوحٍ وَامْرَأَةَ لُوطٍ كَانَتَا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبَادِنَا صَالِحَيْنِ فَخَانَتَاهُمَا فَلَمْ يُغْنِيَا عَنْهُمَا مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَقِيلَ ادْخُلَا النَّارَ مَعَ الدَّاخِلِينَ )4. فلا يعقل الكلام عن إحراق الله سبحانه وتعالى لامرأتين دون إرتكاب إثم معين، ولا يمكن رفع صفة المنكر عن الخيانة التي هي بذاتها منكر. وكذلك ذهب السيد الحيدري في تنزيه عائشة عن فعل المنكر ضارباً عرض الحائط ما وقع عليه الاجماع العقلي قبل النقلي في كونها قادت حرباً قتل فيها آلاف المسلمين. فمتى كان التسبب في قتل النفس المحترمة واللجوء إلى العنف معروفاً وليس منكراً ؟ ففي المثال الأول ترى كيف تتحول المطالبة بالإنثنائية في التقديس إلى تبشير بالواقع الديني المخالف، وفي المثال الثاني ترى خروج هكذا مطالبة عن أسس التفكير السليم باخراج الخيانة في مضمون الآية من دائرة المنكر إرتفاعاً بصفتي امرأتي نوح ولوط. وهذا مما يمكن الإستدلال به في بطلان مطالب الإنثنائيين. فالدور الذي يقومون به في محاولات التقريب أو تلطيف الأجواء انما يكون عملياً في القضايا السياسية الخالصة. أما قضايا العقيدة والدين فهذا المسلك لا يزيد الأمر إلى تعقيداً.

مثال التنازل عن صفةٍ
في هذا الجزء يمكن إدراج بعض الأمثلة من المطالبة بالإننثنائية في التقديس تنازلاً عن صفةٍ مع التعرض لمآلها. وهنا يمكن الأخذ بعين الإعتبار أقصى أساليب المطالبة بالإننثنائية والذي هو الإرهاب والدمار والقتل. خذ على سبيل المثال حادثة تدمير ونهب كربلاء التي فيها العتبات المقدسة الشيعية التي يكرهها الوهابيون 5. فهذا الفعل المعبر عن المطالبة المذكورة لم يكن ناجحاً في إحداث أدنى تغيير في المعتقد تجاه المقدس رغم بشاعته وهمجيته. وأضف إلى هذا تدمير ضريحي الإمامين العسكريين وغير ذلك من الأمثلة الفاشلة للمطالبات بالإنثناء عن طريق العنف. أما المطالبات اللاعنفية بالإننثنائية تنازلاً عن صفة فيما يخص المقدسات فتشبه محاولة إدخال الجمل في سم الخياط . إذ كيف تقول للمعتقد بإمامة معاوية بأنه كان إماماً يدعو إلى النار؟ وكيف تقول للمعتقد بولاية علي ع بأنه الخليفة الثالث؟ هذا مستحيل ولو كان له نصيب في النجاح لقال به أتباع الديانات في العالم -كما اشرت إليه سابقاً- ولخلصوا إلى عرف عالمي في هذا الخصوص. فلماذا لا تسلك الطوائف مسلك الأديان في إقرار القبول المتبادل والبناء لواقع التعايش؟

مثال السكوت عن أصل الموضوع
المطالبة بالإنثناء في التقديس سكوتاً عن أصل الموضوع تتمثل في مطالبة المناخات الدينية المختلفة بتجاهل مواضيع التقديس المثيرة للجدل. وهذا النوع من المطالبة يستعمله دعاة التقريب بين المذاهب والاديان عادةً، بحيث يتم التركيز على المقدس المشترك والسكوت عن المقدس المختلف فيه. وهذا ما يلاحظه الباحث في إصدارات ومؤتمرات المجمع العالمي للتقريب بين المذاهب الإسلامية الذي فشل فشلاً ذريعاً في التقريب بين المذاهب إذا أخذنا بعين الإعتبار الوضع الإسلامي بعد إنطلاق مشروع التقريب هذا عام 2002. ويمكن تحديد فشل المشروع الوحدوي لهذا المجمع من خلال أول فصل لإستراتيجيته المتناقض بدعوته لتعارف الفرق الإسلامية بعضهم ببعض من جهة وتحقيق التآلف والأخـوّة الدينيـة على أساس المبـادئ الإسلامية المشتركة الثابتـة والأكيدة من جهة اخرى 6. وهذا المبنى مختل الأركان لأنه ينطلق من فرضية وجود مبادئ ثابثة في الإسلام لها اسقاطات عند المذاهب بحيث يمكنها جمع الطوائف في طائفة واحدة تكتفي بهذه المبادئ لتعلن أن هذا هو الإسلام. ولو اردنا مثلاً تطبيق هذه القاعدة الغريبة على موضوع المقدسات لما بقي هناك مقدسات. لأن الإختلاف بين الطوائف الإسلامية قائم حتى في موضوع مطلق القداسة لأنه يوجد مسلمون مجسمون وآخرون تنزيهيون وآخرون من مدرسة وحدة الموجود كذلك . فإذا سكتنا عن التقديس في الوجهة المعبودية فمن نعبد إذن ؟ هذا من الواقع الإسلامي الإسلامي. أما إذا اردنا إيضاح بطلان المطالبة بالإنثناء في التقديس فيما بين الأديان، فلا أحسن من عبارة:” لا الاه إلا الله ” التي هي عنوان الإسلام الأكبر وفيها ترى النفي يسبق الإقرار. فهل نسكت عن “لا إلاه” مثلاً لمجرد ان في ذلك نفي وإسقاط إعتباري لألوهية معبود المخالف؟ ..إذا كان العاقل لا يمكنه الإختلاف معنا في أسبقية نفي معبود المخالف واسقاطه من الإعتبار وضرورة ذلك كجزء لا يتجزأ من تقديس الله سبحانه وتعالى في المنظور الإسلامي، فالمطلوب مراعاة ضرورة نفي بعض الطوائف الإسلامية لشخصيات زاحمت بل ظلمت وقتلت أئمتهم المقدسين. يجب إحترام حقهم في إسقاط هذه الشخصيات من الإعتبار .. وليكن العمل على نحو القبول بالآخر بمثابة الحجر الأساس للتعايش.

في الختام
بعدما تطرقت له من مناقشة لبطلان الدعوة إلى الإنثناء في التقديس وما اوردته عن التعايش بين الأديان وضرورة نقله إلى المستوى الطائفي والمذهبي في هذه الأمة العليلة، تبقى مسألة المصارحة جداً مهمة لترسيخ ثقافة التعايش. فمن الطبيعي في هذه المرحلة أن تكون المصارحة بين الأطياف الدينية المختلفة صادمة ومثيرة للجدل، ولكن هذا ضروري لرفع الحساسيات وفرض واقع الحوار والتعايش بدلاً من واقع الإنعزال والإرهاب. فإذا كانت النخب لا تمتلك الشجاعة الكافية في هذه المرحلة، فأنه وكما إستيقظنا فجأةً على صحافة الجماهير ، فإننا قد نستيقظ يوماً على واقع تمارس فيه الجماهير بحكم تيكنولوجيا المعلومات أدوار نخبوية.

………………………..
الهوامش:
1. الأوبانيشاد: كتاب هندوسي قديم يصدر بالقاهرة، محيط شبكة الإعلام العربية 18 – 2 – 2008
2. قناة الجزيرة، مراجعة 22-7-2010 من الشبكة العنكبوتية
3. مطارحات في العقيدة . قناة الكوثر، مراجعة 16-9-2010 من الشبكة العنكبوتية
4. التحريم 10
5. ابن بشر. عنوان المجد، ج1، ص122
6. استراتيجية المجمع العالمي للتقريب بين المذاهب الاسلامية، الفصل 1. المفاهيم التخصصية 1. التقريب. موقع المجمع العالمي للتقريب بين المذاهب الاسلامية، مراجع بتاريخ 01.09.2010

……………………….
صحيفة المثقف. (العدد: 1525 الخميس 23/09/2010)