مقالات سياسية

ثورة مصر: من أبطأ به الإسلامويون لم يسرع به الديموقراطيون

ياسر الحراق الحسني/ من الملاحظ أن ثورة مصر الشعبية وبعد اسبوعين لم تحقق هدفها والإطاحة بنظام حسني مبارك الأتوقراطي الحاكم. الثورة في تونس استطاعت قبل ذلك إقتلاع النظام الفاسد عن بكرة أبيه في أيام قليلة من المظاهرات،
فلماذا لم يستطع الشعب المصري إقتلاع نظام مبارك رغم طول المدة والتضحيات والمجهود؟ ما هو السر في بقاء مبارك على رأس الجمهورية رغماً عن أنف الملايين، أو بالأحرى رغماً عن أنف جماهير العالم؟ في هذا المقال عرض مختصر لمميزات ثورة الجماهير في مصر يتبعه الجواب عن سر فشل الثورة ولو لحد الساعة في تحقيق المطالب بالرغم من مميزات الانجاح المتوفرة.

مميزات الثورة الشعبية في مصر
الحشود الكبيرة
إذا ما نظرنا إلى أعداد المتظاهرين في مصر من الممكن جداً القول بأنهم أكثر من ساكنة تونس قاطبة مع العلم أن العدد قد يكون متساويا بين البلدين إذا كان القياس مبني على نسبة المشاركة من أصل المجموع العام. ولكن أهمية هذه النقطة تكمن في كون التواجد المليوني الكثيف في مناطق محددة يكون له وقع أكبر من نظيره على مساحات كبيرة التي قد يتفرق عليها سواد المتظاهرين ويضعف بذلك الأثر. فمصر استفادت من سواد مكثف للظهور الجماهيري فاق نظيره في تونس.

الإعلام المؤيد
لقد كان الحظور الإعلامي العربي والدولي أكثر إستعداداً لإيصال وقائع ميدان التحرير بمصر إلى العالم بالرغم من قيام سلطات النظام بالتضييق على الصحافيين وقمعهم مثل إعتقال طاقم من الجزيرة في مصر وضرب وتخويف صحفيين من التلفزة الكندية . وهذا الأمر لم يحدث في تونس مما زاد من التعاطف الدولي مع المصريين. هذا إضافةً إلى تقارير إعلامية غربية إبتداءً وعربية بعد ذلك تتحدث عن آل مبارك وثروتهم المليارية ثم بعد ذلك ثروة مسؤولين آخرين في مصر، الشيء الذي تطرق له الإعلام في الحالة التونسية بعد سقوط النظام. وهذا عامل تأييد لحساب الثورة المصرية كذلك.

دخول زعماء اجانب وشخصيات مهمة على خط المطالبة بالتغيير
لقد كان للزعماء الأجانب موقف تعاطف مع الثورة الشعبية في تونس بعد انتصارها فيما لا يمكن إعتباره دعماً لها خلال الأيام الأولى. لكن الثورة الشعبية في مصر حصلت على دعم من زعماء أجانب وشخصيات مهمة. يذكر على سبيل المثال ما نقلته الأسوشييتد برس في الثاني من فبراير 2011 عن مطالبة الرئيس الأمريكي الإنتقال الفوري للسلطة في مصر والإستجابة لمطالب الشعب المصري . وهذا المطلب هو غير مطلب الإصلاحات إذ الإنتقال السلمي للسلطة لا يفهم منه إلا تنحي مبارك عن الحكم إستجابةً للمطالب التي عبر عنها الشعب المصري الرافضة لنظام مبارك. أضف إلى هذا ما نقلته البيبيسي يوم 1 فبراير 2011 عن مطالبة رئيس وزراء تركيا رجب طيب اردوجان مبارك بالإستماع إلى شعبه وقولته المستوحى منها التوقع بسقوط مبارك وهي :” لن تتمكن اية سلطة من التمسك بالحكم رغم انف شعبها. كلنا فانون، والمهم ان نترك بعدنا ذكرى جميلة” . أما جانب الشخصيات المهمة في التأثير على الرأي العام العالمي والمصري تجد من قلب الحدث الدكتور محمد البرادعي ومحمد حسنين هيكل الذي أيده منبر إعلامي لا يستهان به (الجزيرة) والقرضاوي وغيرهم. فمع كل عوامل القوة هذه التي تلعب لصالح الثورة المصرية كيف نفهم عدم الإطاحة بظام حسني مبارك؟

الاسلامويون
الخوف من تكرار تجربة الجزائر
لقد عبرت أوساط عسكرية مصرية قبل أي وسط غربي آخر سياسي كان أم عسكري دائماً عن قلق من الإسلامويين. فاللواء عمر سليمان نائب مبارك تنسب إليه رسائل لدبلوماسيين غربيين نشرت محتواها الجزيرة في 6 يناير 2011 يقول فيها بأن جماعة الإخوان فرخت 11 منظمة إسلامية متطرفة بينها تنظيما الجهاد والجماعة الإسلامية. وهذا الكلام فيه ربط بين الإخوان والعنف تدعمه أحداث تاريخية منها حقبة الصدام مع السلطة ما بين 1954 و1970. كما أن الإرتباط الاديولوجي بين بعض الجماعات التي لها تاريخ من العنف والإخوان المسلمين في مصر يزيد من الشكوك حول إلتزام هذه الجماعة بالقواعد الديمقراطية، مثل إعتماد الجبهة الإسلامية للإنقاذ الجزائرية في قواعدها الفكرية على كتابات حسن البنا وسيد قطب.

الخوف من تكرار تجربة إيران
بالرغم من عدم وجود علاقة تنظيمية بين الإخوان المسلمين في مصر والثورة الإسلامية في إيران إلا أنه هناك علاقة إيديلوجية ترجع إلى ما قبل الثورة الإسلامية في إيران سنة 1979. ففي دراسة لمعهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى نشرت في 12 فبراير 2009, تجد تركيزاً على الدور الاديولوجي الكبير الذي لعبه فكر الجماعة على مستوى بعض شخصيات الثورة الإسلامية في إيران بل وحتى الفكر الثوري الإسلامي في إيران بصفة عامة . هنا تجدر الإشارة إلى تأثر رجل الدين الإيراني سید مجتبی نواب صفوی مؤسس منظمة فدائيي الإسلام (1924 – أعدم 1956) بفكر الإخوان المسلمين من خلال علاقته بسيد قطب. وهناك عدد من الإغتيالات السياسية التي نسبت لفدائيي الإسلام سبقت إعدام قائد هذا التنظيم الإيراني المتولد من رحم اديولوجية الإخوان. كما أن الدراسة ذهبت إلى أن إعتبار مرشد الجمهورية في إيران السيد الخامنئي لنواب صفوي بأنه شهيد ويمثل بدء شرارة الثورة الإسلامية على حد قوله يبرز لنا مدى تأثر النظام الحالي في إيران بمنطلقات اديولوجية اخوانية. وهناك من يرى أيضاً أن ترجمة مرشد الجمهورية الإسلامية بنفسه لكتابين لسيد قطب من العربية إلى الفارسية هما :”المستقبل لهذا الدين” و” الإسلام ومشكل الحضارة” من مؤشرات الإرتباط الاديولوجي.

ماذا بعد؟
لقد كان في عرض ألمانيا إستقبال مبارك كمبادرة لإنهاء الأزمة، وإرسال المبعوث الأمريكي إلى مصر فرانك ويزنر ليعود قائلاً أن مبارك يجب أن يبقى لتوجيه التغييرات إشارة إلى أن الإسلامويين في مصر ليسوا مثل تونس. ففي وقت شهد إستعداد حركة النهضة بالإنخراط في الحياة الديمقراطية وابتعادها عن النهج الشمولي على رأي العديد من الباحثين مثل الأستاذ محمد ضريف، تبقى جماعة الإخوان محل شكوك قد تكون معقولة وقد تكون غير معقولة. ولكن ريثما تزول الشكوك سيبقى الجيش المصري بمباركة دولية ماسكاً بزمام الأمور فيما يمكن إعتباره بالتغيير التدريجي حتى وإن تنحى مبارك.

……………………….
الهامش
محاولةً لاجتناب خلق تصورعن وجود مقابل غير إسلامي في الثورة الشعبية المصرية التي أغلبها مسلمون، فضلت إستعمال كلمة “اسلامويون” لكي لا يكون الإسلام حكراً لفئة على حساب غالبية الشعب المسلم

……………………….
صحيفة المثقف (العدد: 1662 الثلاثاء 08 /02 /2011)