مقالات سياسية

في نقد حركة 20 فبراير

ياسر الحراق الحسني / “الشعب يريد إسقاط الفساد” شعار ميز حركة 20 فبراير في المغرب كما ميزها شعار :”لا للحكرا ” أو القهر الحكومي. حركة شبابية بالأخص استلهمت نمط الإحتجاج من أحداث ما يسمى بالربيع العربي ومهد لها دعم احزاب وهيئات حقوقية مغربية. كما أن تجاوب العاهل المغربي بإيجاب مع مطالب الإصلاح التي نادت بها الحركة في مجال تقوية دور الحكومة وفصل السلطات ودعم الحريات كان بمثابة التفاعل مع المعقول المبني على مطالب مشروعة نالت بفضله الحركة الإعتراف الرسمي بأساس منطلقها الرامي إلى الإصلاح. وكان من نتائج هذا التفاعل الرسمي مشروع الدستور الجديد الذي الذي تكلفت به لجنة عينها العاهل المغربي لإعادة كتابة دستور يستجيب للمطالب الإصلاحية المذكورة سرعان ما رفضته الحركة جملةً وتفصيلاً بدعوى بطلان المنهجية في إختيار لجنة إعادة النظر في الدستور.  كما دعت الحركة أو إن صح التعبير ما تبقى من الحركة إلى مقاطعة الإستفتاء على الدستور الجديد وسط دعاوى الإستمرار في النزول إلى الشارع. فهل حركة عشرين فبراير مؤهلة لكي نقطع بسلامة رؤاها؟ هل الرؤى العشرينية ومطالب الشعب المغربي التأمت يوم 20 فبراير وانفصلت يوم الفاتح من يوليوز 2011 يوم الإستفتاء على الدستور الجديد؟

مناقشة في النضج السياسي .. إعتناق نظرية المؤامرة
بالرغرم من الإتفاق العام على كون المغرب يحتاج إلى إصلاحات جدية في تطوير العمل السياسي والخدماتي وإسقاط الفساد ومظاهره كما نادت به حركة عشرين فبراير في البداية، إلا أن تعامل الحركة منذ البداية مع تطور الأحداث أثار سؤالاً عن قضية النضج السياسي. فكل التفاصيل والجزئيات في ممارسات الحركة لا بد من أخذها بعين الإعتبار لأن المسألة تتعلق بمصير شعب بأكمله. إن نظرية المؤامرة التي استندت إليها الحركة في أكثر من مناسبة تعتبر ارضية مهمة لإختبار نضجها السياسي. وكمثال يمكن الرجوع إلى المظاهرات الأولى للحركة التي تعمد المسؤولون الأمنيون الإبتعاد فيها عن الإحتكاك مع المتظاهرين، فكانت النتيجة أعمال تخريبية طالت الأملاك الخاصة والعامة واعتداءات وسرقات كما حدث في طنجة والعرائش والحسيمة وغيره. فعوض إعتراف الحركة بقصورها التنظيمي لجأت إلى إتهام المسؤولين بإثارة الشغب. أي أن الدولة تعمدت إحداث غياب أمني أدى إلى الشغب أو كما ذهب البعض في القول أن الدولة أنزلت عناصر مشاغبة للعبث بالأمن من أجل تخويف الناس من المظاهرات. وهذه أفكار سقيمة لأن العابثين بالأمن منهم من كان في المظاهرات والتقطتهم الكاميرات وحوكموا بعد ذلك. ولو كانت الدولة هي التي ارسلت المشاغبين لما رأيت أهالي هؤلاء المشاغبين يتظاهرون أمام المحاكم لتخفيف الأحكام الصادرة في حقهم. فمن باب تحمل المسؤولية والنزاهة التي تتغنى بها الحركة كان من المفروض عليها تقديم توضيحات حول ملف اتهامها للحكومة بإثارة الشغب لكي يتمكن المواطن المغربي من تكوين رأي سليم في مجريات الأحداث يمكنه من المشاركة بصوته في الإصلاح.
أظن أن لا أحد من مريدي حركة 20 فبراير يخالفني في القول بأن كندا تعتبر من الدول الرائدة في الديمقراطية وحقوق البشر. بعد إجتماع قمة الثمانية بمدينة تورنتو شهر دجنبر 2010 تحدث الصحفي المرموق ستيف بايكن عن شهادته بتدخل عنيف لبوليس مكافحة الشغب أدى إلى اعتقالات واسعة, كما سجلت شهادات لحالات فيها إضطر المحتجزون في الزنازن إلى قضاء حاجاتهم واقفين (ذي تورنتو ستار 06/12/2010). وأنا لست بصدد تبرير أي عنف كان من أي جهة كانت إطلاقاً بقدر ما أنا بصدد التكلم بموضوعية. النقطة التي أريد الإشاراة إليها هي أن مدينة تورونتو مع التنظيم القليل النظير على المستوى العالمي من طرف الأمن والمنظمين كذلك لم تسلم من أحداث عنف خلال التظاهرات السلمية المذكورة. فكيف بتظاهرات أكثر كثافة تنطلق من الأحياء الشعبية دون ترخيص ( مثل مظاهرات 22 ماي/ المغرب ) تتحمل فيها الأجهزة الأمنية بمحدودية امكاناتها مسؤولية الحفاظ على الأملاك العامة والخاصة دون إحتكاك ودون أحداث عنف؟ هنا ثلاثة اسئلة تطرح على الكوادر العشرينية من هذا المنطلق: الأول، سؤال عن الممارسة اللاقانونية والخروج دون ترخيص (و الترخيص مطلوب حتى في الدول الغربية). والسؤال الثاني هو عن غياب روح المفاوضة والحوار بحيث لم تنتج الحركة سيناريو نرى فيه أحد المسؤولين يباشر الحوار مع الجهات المعنية بالترخيص في جو حضاري غير مشحون أو على الأقل اقامة الحجة على السعي في هذا الطريق. أما السؤال الثالث فهو عن عدم تقييم ما سيترتب عن الخروج العشوائي من نتائج على مستوى الفرد والدولة.
و خلاصة ما يقال هنا هو أن العقل يرفض قيام الحركة بتوريط الدولة في أحداث الشغب إذا إنسحب الأمن وتوريطها في أحداث العنف إذا قام الأمن بالتدخل. وإستعمال نظرية المؤامراة يطرح لنا مشكل النضج السياسي عند كوادر الحركة ومشكل التهرب من المسؤولية بدعوى وجود قوى خفية وراء الكواليس تتحكم في مسرح الأحداث.

مغالطات
قاطعت حركة 20 فبراير اجتماع لجنة تعديل الدستور لكونها لجنة غير منتخبة وبالتالي فهي فاقدة للشرعية الديموقراطية بحسب زعم الحركة. وهذا الموقف يدل على أن الذين يقومون بتحليل المواضيع وإتخاذ المواقف في الحركة يفتقرون إلى المستوى المطلوب للخوض في غمار السياسة بمسؤولية. فإذا كانت اللجنة المعينة فاقدة للشرعية الديموقراطية (وهذا تعبير نقله راديو سوا 04/17/2011) ، فيكون إذن كل قادة عشرين فبراير خارج الشرعية الديمقراطية وبناءً على مقياسهم بسبب كونهم أفراداً غير منتخبين . لقد تعززت الديمقراطية عبر سلسلة من التعيينات في إسبانيا أهمها تعيين آباء الدستور السبعة سنة 1978 الذين قاموا بكتابة الدستور الجديد لإسبانيا. وبالرغم من كونهم ضمن المنتخبين في الكورتس كنستتونتس (أو البرلمان لما يجتمع كمجلس دستوري -خاص إسبانيا 1977-)، إلا أن لجنة كتابة الدستور تم تعيينها ولم تكن هناك إنتخابات يختار من خلالها الشعب مباشرةً لجنة كتابة الدستور دون أن يكون لذلك أثر على الإصلاحات الديمقراطية.
هناك مثال آخر تجد فيه لجان لعبت دوراً مصرياً في إنشاء دولة مستقلة وكتابة دستورها من غير أن ينتخبها الشعب مباشرةً لهذا الغرض بالذات، وأنتجت مع ذلك نظاماً ديمقراطياً. وهنا أخص بالذكر الكونغريس القاري للمستعمرات الأمريكية – 1774 م- لاحقاً الولايات المتحدة الأمريكية- الذي كان يتكون من وكلاء لمفوضيات المستعمرات ولم يتم إنتخابه مباشرةً لمزاولة مهام تقرير المصير أو إحداث دستور للولايات المتحدة. هذا مع الإشاراة إلى أن الشعب في أصل المسألة فيه عبيد وأفراد غير مستعمرين لا يمكنهم المشاركة في إنتخاب مفوضي المستعمرات لدى الإتحاد القاري المذكور . ولم يتطرق كبار نقاد دستور الولايات المتحدة الأمريكية (مثل لاري ساباتو ، ستانفورد لفينسون وروبرت دال) في كتاباتهم إلى أي اشكال ديموقراطي في كون لجان التأسيس الدستوري لم تكن منتخبة مباشرةً من طرف الشعب ولغرض كتابة الدستور. فالمهم على ما يبدو هو نص الدستور وروحه وليس من كتبه ومن عين كاتبه. ومسألة تعيين الشعب لمجموعة من صفوة النخبة قد يكون مستحيلاً لعدم إمكان قيام عامة الشعب بتقييم الكفاءات وإختيار الأنسب مباشرةً. نعم للنخبة السياسية أن تنتخب أو تختار الأنسب لهذا العمل لكن ليس هذا ما طالبت به حركة 20 فبراير. وتبقى مطالبتها بإنتخاب لجنة إعادة كتابة الدستور مباشرةً من طرف الشعب تشبه الكلام عن إعطاء الشعب حق إنتخاب من يحصل على الدكتراه في الفلسفة ومن لا يحصل عليها. من المعلوم أن الذي يحصل على الدكتراه تقوم بتقييمه لجنة من الدكاترة وليس الإنتخاب المباشر. كما أن هذه اللجنة يعينها القيدوم ولا تأتي بالإنتخاب كذلك. لكن دائماً يمكن للناس إذا ما كان الدكتور صاحب خروقات أن يشتكوا منه أو كما هو الأمر في الدول المتقدمة، يمكن للتلاميذ تقيم اساتذتهم في آخر السنة عن طريق الإستطلاع.

إنشغال عن الأهم
هناك مشكل تعاني منه حركة 20 فبراير يكمن في عيشها على ردود الأفعال. إذا كانت ردود الأفعال الأولية التي خرجت من رحمها الحركة هي تحرك ضد الفساد والظلم والفقر وغيره فهذا شيء جميل. لكن ما لم تقدمه الحركة هو برنامج واضح عن خطة تنموية شاملة وآليات واقعية لتطبيقها مع تحديد الهدف المشتغل عليه بوضوح تام وتحديد الوقت المتطلب لتحقيقه. فعل شيء من هذا القبيل أحسن بكثير من كثرة الخطابات والكتابات والشعارات. فكم من دولة عندها دستور ديموقراطي لا ترى له أثر على غالبية الشعب. إذا كانت القضية قضية كتابة على الورق فهذا دستور الهند أكبر ديموقراطية في العالم والذي يعد أطول دساتير العالم تكاد لا ترى له فائدة إذا قمت بزيارة مدن مثل كالكوتا حيث الفقر الخيالي. وإنتخابي لكالكوتا مثالاً راجع لشواهد استمعت إليها مباشرة وراجع لرمزية المدينة المذكورة التي خرج منها تنظيم “مجموعة كالكوتا” يترأسه البروفسور امارتيا سن يناضل من أجل استصدار قانون يضمن حق الحصول على المأكل لكل مواطن هندي (إصدار لجامعة أكسفورد البريطانية، شعبة التنمية العالمية. 16 فبراير 2010). فكيف يكون مجتمع الجياع مجتمعا ديمقراطيا ؟ إذا علمنا أن المشكل في المغرب مشكل بطالة وتقاعد وتنمية وإسكان وطب وتعليم ومزيد من الحريات، صار من الواجب على كل القوى التعاون سواء من منطلق العمل الحكومي أو العمل المعارض التركيز على هذه القضايا واحدةً واحدةً مع إعطاء الشعب أفكار واضحة وضمانات لحل مشاكله. أما أن نضيع الكثير من الوقت على النظريات فهذا من شأنه إبطاء عجلة التقدم. إذا افترضنا أن حركة 20 فبراير تسيطر الآن على البرلمان وتدير الحكومة، كم من وضيفة ستخلق للشعب المغربي في السنتين القادمتين؟ هل ستضمن لكل مشرد في المغرب بطاقة تموين وتغطية طبية وغرفة للسكن؟ هذا هو الملح الآن ولا ترى له ملتفتاً للأسف .

حركة محاكات
قد يوافقني البعض ويخالفني البعض في قولي أن حركة 20 فبراير لم تتبنى من العمل الديمقراطي سوى الإحتجاج في الشوارع. والإحتجاج السلمي شيء مشروع لكنه يجب أن لا يفضي إلى حالة الإحتجاج من أجل الإحتجاج. لا شك أن ذلك له أثر على مصالح الإنسان المغربي العادي. نقل لي أن بعض سائقي سيارات الأجرة في مدينة تطوان تأذوا كثيراً من إغلاق الطرقات ولمرات عديدة لكونهم يحصلون على مصروفهم على قاعدة يومية وعوائلهم لا تتحمل الضغط أكثر. فمن يا ترى نظر بحس المسؤولية إلى هذه الشريحة من المجتمع؟ التحرك الديموقراطي لا يقتصر على الإحتجاج في الشارع فقط. هناك الإحتجاج في الشارع كما هناك الإحتجاج بالمقاطعة (وهنا لا أعني مقاطعة العمل الذي من شأنه تعزيز الديمقراطية)، وهناك الإحتجاج بجمع التواقيع كما هناك الإحتجاج الأدبي والفني. لو كانت حركة عشرين فبراير نوعت من أساليب الإحتجاج لكانت أقرب إلى إقناع الناس بأنها حركة واعية ديموقراطياً ولما تم النظر إليها على أساس كونها حركة محاكات تقتبس الضياء من زوايا لم يكتمل نورها.. قد يقول معترضٌ أن الحركة تستعمل فيما دون الإحتجاج أساليب إعلامية وثقافية كما هو الشأن بالنسبة لأشرطتها على الشبكات الإجتماعية . وهذا قول لا يستقيم له عود لأن هذه النشاطات التي هي دون الإحتجاج في الشارع يمكن الاستشكال عليها بإثنتين. الأولى جدية المنتوج الإعلامي سواء سمعي أم سمعي بصري والذي لا تكاد ترى له مصداقية بسبب هشاشة الأفكار المطروحة وعشوائيتها وكذا الإفتقار إلى جوهر الإثبات والتوثيق. ومثال هذا تجده في مرئيات تنسيقيات 20 فبراير على شبكة الفايس بوك. كما أن انحشار لاجئين اقتصاديين (يدعون أنهم لاجؤون سياسيون) مغاربة في الخارج واشتراكهم في المواد الإعلامية وانحشار أشخاص معروفين بالسب المجاني والأساليب المنحطة من خلال أشرطتهم في اليوتوب له أثر على جدية هذا الأسلوب. أما الثانية فهي كون هدف مضامين الأساليب التي هي دون الإحتجاج يبقى هو التحريض على الإحتجاج. فبهذا تكون الحركة تطوف حول فكرة الإحتجاج ولا تتمتع بالثقافة الديمقراطية اللازمة لتنويع أساليبها.

مقاطعة الإستفتاء
بعدما تطرقت له في فقرة “مغالطات ” بخصوص ضعف حجية القول ببطلان تعيين لجنة إعادة كتابة الدستور لأنها غير منتخبة من الشعب مباشرةً، فهذا شيء يبطل الأساس الذي قامت عليه الأقوال بمقاطعة الإستفتاء على الدستور الجديد. وهذا ليس بالأمر الأوحد الذي يتم الاستشكال به على فكرة مقاطعة الإستفتاء. لقد كان بمقدور حركة 20 فبراير المشاركة ثم التصويت ب”لا “. فالتصويت ب “لا ” لا يعني بالضرورة أن المصوت يصوت لصالح إبقاء الدستور الحالي، بل قد يكون التصويت ب”لا” في حال نجاحه سبباً في مراجعات أخرى للدستور. ثم إن عدم التصويت تهرب من القيام بالواجب وسعي في هدم الديمقراطية التي لا تكمل بدون مشاركة. هناك دول مثل بلجيكا وفرنسا (في إنتخابات مجلس الشيوخ) وتركيا ومنطقة شافهوزن في سويسرا تعاقب المواطنين الذين لا يؤدون واجبهم في الإنتخاب والتصويت بعقوبات ما بين الغرامة إلى السجن. فتيار المقاطعة لا يمكن التسليم بديموقراطيته بسبب وقوفه حجر عثرة أمام العمل الديمقراطي. لعل المطلع على هذه الأسطر يواجه هذه الفكرة بمقولة كون التغيير لا يتحقق من داخل نظام فاسد. ولعل الآخذ لهذا المنحى كذلك يتحجج بفشل تجربة حزب الإتحاد الإشتراكي وحزب العدالة والتنمية وتواصل مسلسل الفساد بعد دخول هذه الأحزاب إلى العمل السياسي حيث يقال أن أنها أطرت أو دجنت أو ما إلى ذلك؛ وعليه تكون المقاطعة مبررة. أقول أن هناك تجارب تفيد بأن الذي يسعى في الإصلاح بواقعية وبتدرج وتحضر مصيره النجاح في آخر المطاف في ظروف عالمية لم تترك المجال لأي كان فعل ما شاء . وكمثال يمكن الإطلاع على تجربة حزب العدالة والتنمية التركي الذي يحكم حاليا، لأن فيها مشاهد إنتصار سياسيين محافظين على العسكر وعلى المحكمة الدستورية التي حلت حزب نجم الدين اربكان في الماضي . فلما أثبت حزب العدالة والتنمية التركي للعالم الفاعل (وهو غير المفعول به) إلتزامه بقواعد الديموقراطية وبدد المخاوف من إحتمال قيام دولة طالبانية في تركيا لقي الدعم الدولي في قضاياه. فهذا إذن مثال للتغيير من الداخل بالمشاركة.

مشكل الإنصاف
من التعابير الإنجليزية المتداولة يقال -إن صحت ترجمتي – :”إمنح الإئتمان حيث الإئتمان مُستحق” (Give the credit where the credit is due) . وعندنا في العربية شبيه ذلك في قول” أعط كل ذي حقٍ حقه” . وإختياري للتعبير الإنجليزي مبني على احتوائه على مفهوم الثقة على خلاف التعبير العربي الذي يحتوي على مفهوم الواجب. الإصلاح يحتاج إلى ثقة المصلحين في الجو الذي يتحركون فيه ويحتاج كذلك لحسن النوايا لكي يكتب له النجاح. من الملاحظ أن حركة 20 فبراير لم تباشر ببادرة حسن النية في إختبارات عدة. فلم يكن لها موقف إيجابي من مشروع الإنصاف والمصالحة الذي ميز المغرب عن باقي الدول “العربية” ولو بمقدار الإعتراف لأجل إعادة تفعيل المشروع أو على الأقل بمقدار الإعتراف بالمبادرات الإيجابية في المغرب عوض التركيز فقط على السلبيات وإظهار الحالة السياسية السلبية في المغرب بحجم لا يتناسب مع الواقع. وهناك مسائل فرعية أخرى لم تنوه بها الحركة مثل سماح الدولة للمساجين بتصوير أو استقدام المصورين إلى السجن ليعبروا عن أنفسهم وينشروا أشرطتهم على مواقع عالمية. وإن لم تكن الدولة سمحت بذلك فعلى الأقل لم تتابع الذين صوروا ونشروا آراء المساجين من داخل السجن. وهذه سابقة لم أرى لها مثيل تعبر عن نوايا رسمية حقيقية في الإنتقال بالمغرب إلى ديموقراطية حقيقية. فكان من باب الإنصاف لدى الحركة أنها وكما تقوم بترصد السلبيات، كان عليها التنويه بالإيجابيات من أجل خلق أجواء ثقة مع المغرب الرسمي والشعبي. أما التركيز فقط على الجانب السلبي فليس من الإنصاف في شيء. فكيف لمن لا يوصف بالإنصاف أن ينصف؟

في السياق الدولي
من البديهي في عالم اليوم أن أي تغيير في الدول النامية يحتاج إلى تفاهم مع الدول الغربية العظمى. هذه الدول معروف أنها قادرة على افشال محاولات التغيير في بلدان شتى بشواهد تاريخية عديدة منها الاطاحة بمصدق في إيران 1953 وإسقاط حكم اليندي في التشيلي 1973. كما تستطيع الدول العظمى التخلي عن الحركات التغييرية لتواجه مصير الهزيمة إذا لم يكن هناك تفاهم. وقد فعلت هذا مع الإنتفاضة الشعبانية في العراق 1991, كما يمكن الحديث عن تخلي مماثل للدول العظمى عن انتفاضة البحرين حالياً. إذن، يمكن القول أن موقف الدول العظمى من التغيير لا بد من أخذه بجدية من طرف حركة 20 فبراير التي باتت تجدف بعيداً عن السياق الدولي لمسلسل الإصلاح والتغيير في المغرب. في وقت كان الإعلام الغربي والمنظمات الحقوقية والسياسيون الغربيون يعملون على عزل النظام الحاكم في مصر ، تقريباً اسبوعين بعد سقوط بن علي في تونس قام رئيس الوزراء الكندي ستفن هاربر بزيارة للمغرب وصفت في الأوساط الإعلامية الكندية بكونها زيارة لبلد صديق ومعتدل في العالم “العربي” (تغطية ذي تورنتو ستار 27 يناير 2011). وإعتبرت امنيستي إنترناشنال الحقوقية أن الإستفتاء على الدستور الجديد خطوة في الإتجاه الصحيح كما اعترفت نيويورك تايمز بكثافة المشاركة في إستفتاء فاتح يوليوز 2011 (نيويورك تايمز 12 يوليوز 2011) بل واعتبرتها نموذج يقتدى به، وقد أطرى ديفيد كرامر رئيس مؤسسة فريدم هاوز على هذه التجربة الديمقراطية في المغرب. بل أن الأمر وصل برئيس الوزراء الفرنسي دومينيك دوفيلبان إلى التعبير عن انبهاره بالمسار الإصلاحي في المغرب. وقد صدرت أشياء مشابهة من وسائل إعلام ومنظمات وشخصيات سياسية أخرى لا مجال لذكرها في هذا المقام. فيمكن القول إذن أن العالم الفاعل (الدول العظمى) تريد تغييراً تدريجياً واقعياً وتثمن الجهودات المبذولة مع الحث على مواصلتها وتفعيلها. وإذا علمنا أن حركة 20 فبراير تبحر خارج السياق الدولي في هذا الموضوع فهذا دليل على أن أفضل ما قد تحصله عليه الحركة إذا استمرت في النهج الحالي هو زعزعة الإستقرار بحكم تعارضها مع التوجه الدولي الفاعل.

في الختام
بعد كل الأفكار التي تمت مناقشتها في الفقرات السابقة يمكننا الآن الجواب عن سؤال سلامة الرؤى عند حركة 20 فبراير. من الواضح جداً أن الحركة في حاجة إلى تصحيح على مستوى الثقافة من أجل إثبات التحلي بالثقافة الديمقراطية، وهي في حاجة كذلك إلى التحلي بروح المسؤولية تجاه الفرد والدولة، كما أن كوادرها هم في حاجة إلى تدريب من الناحية السياسية للخروج من وضعية السذاجة إلى وضعية الوعي بعوامل التأثير الداخلي والدولي الثقافية والسياسية. وإذا كانت تريد تريد إعادة الإلتحام مع مطالب الشعب المغربي فبإمكانها اليوم التحول إلى حزب سياسي جديد للدفاع عن مطالب الشعب بالوسائل التي صوت من أجلها. فأذا ارادت الحركة كحزب -من المحتمل كما تقول أن يكون له جمهور عريض- خدمة الشعب المغربي وواجهت عراقيل، آنذاك يكون من المعقول الخروج مرةً أخرى إلى الشارع لاحتجاج. أما الحكم المسبق على النوايا فلا يكون من فعل المتيقن من الإنتصار.
……………………….
صحيفة المثقف : (العدد:1822 الثلاثاء 19 / 07 /2011)