مقالات سياسية

من فقه المقاطعة إلى فكر المشاركة

ياسر الحراق الحسني/لقد أطل الدكتور أحمد زقاقي المحترم من نافذة جريدة هسبرس بمقال تنظيري فتوائي عنوانه “فقه المقاطعة” مع إقتراب الإنتخابات التشريعية في المغرب،والذي نشر بتاريخ 20 نومبر 2011. مقال إستعمل فيه المعيار المقاصدي لتعليل المقاطعة على أساس كون المشاركة تتنافى مع مقاصد الشريعة. مقاصد إضافة إلى تمثلها في نفي الضرر ورفعه، فهي تتمثل في خمس كليات شرعية وهي حفظ النفس والدين والمال والنسل والعقل . ودعوة المقاطعة هذه تعبر -كما في مضامين المقال- على وجود إنتهاك للكليات المذكورة. أما البديل الذي يسوغ المشاركة بحسب الدكتور فهو الحكم على غرار تجربة “الخلفاء الراشدين” فيما قبل ظهور الملكية الأموية. في هذه الورقة اسجل بعض الملاحظات على المنهجية البحثية للمقال المذكور التي تم فيها البناء على أسس خاطئة للوصول إلى تبرير الغاية المرجوة التي تحرم المشاركة في الإنتخابات، تتبعها الإشارة إلى رجحان فكر المشاركة على فقه المقاطعة.

إبطال فقه المقاطعة .. العموميات البسيطة

لقد انتهج الدكتور زقاقي عموميات بسيطة لا تصلح للبناء الإستدلالي لكونها من شدة بساطتها ورحابة نطاقها يمكن أن تركبها على بناء إستدلالي معارض وتستعملها في عكس ما تم استعمالها. فمثلاً إذا أخذنا كلية الحفاظ على الدين كعمومية بسيطة “يندرج تحتها الإيمان بالله واليوم الآخر والدعوة إلى تشييده على قواعد الاقتناع القلبي والعلمي والعقلي والاجتهادي لا على مجرد التقليد، وأداء العبادات وكفالة حرية العقيدة والتدين وحمايتها من كل تعد أو اختلال”، فإنك تجد غياب غير مبرر لتفصيل في جزئيات عدة نذكر منها :1. كيف تم إنتهاك الحفاظ على العقيدة وما هي الدلائل ؟ 2. أي عقيدة هي موضوع الحديث وهل هناك عقيدة واحدة أم أكثر؟ ثم هل المعنيون بالإنتهاك حراس لهذه العقيدة ؟ 3. ماذا عن العقائد الأخرى ؟ 4. كيف تم الحفاظ على هذه الكلية في العهد “الراشدي” ؟. إذن مع غياب التفصيل اللازم هنا تكون هذه العمومية بسيطة أدرج مثالاً لسريانها في عكس ما أراده الكاتب. فإذا قلنا مثلاً أن المغرب فيه حفاظ على الدين بنص الدستور وفيه مناسبات دينية رسمية وأئمة الوعظ والإرشاد، فإننا نكون أسسنا لفقه المشاركة في الإنتخابات على وصفة الدكتور زقاقي. لذلك لا يمكن إعتبار العموم الإنشائي المذكور إستدلالاً وببطلانه يجرح الإستنتاج النهائي. ونفس الشيء يمكن تطبيقه على باقي الكليات بحيث إذا قال أن الحفاظ عن النفس تم إنتهاكه بوجود الإنتحار وغياب الصحة النفسية مثلاً، فهذا يقابله وجود المستشفيات وكثرة عمليات الإنقاذ؛ كما لو قال بإنتهاك العقل في وجود المسكرات قابله القول بالحفاظ عليه من خلال التعليم والإرشاد وهكذا..وهنا لا بد أن أشير انني لست بصدد نقاش الأخلاق والفضيلة لأن محل الإهتمام ينحصر في الملاحظات العلمية والسؤال هنا سؤال التعليق على الإختلالات في منهجية البحث ليس إلا .

الغاية والوسيلة والمعيار الضائع

يقول الدكتور زقاقي :”إن الحكم الرشيد يُعد من أهم المطالب الشَّرْطِية لحفظ الكليات الخمس المذكورة، وتُستفاد معاييره من خلال القيام بعملية استقراء واسعة للنصوص، ومن خلال تأمل تجربة الخلفاء الراشدين، وهي تجربة لم تنل حظها الكافي من التطوير والمأسسة بفعل الانقلاب المبكر الذي وقع عليها لصالح الملك العضوض”. وهذا فيه دعوة لمأسسة الخلافة التي لا تكون المشاركة السياسية إلا من أجلها . وهذا ما يستشف من شرطية الحكم الرشيد لحفظ الكليات الخمس، إذ مع غياب الشرط يسقط الحفاظ على المشروط الذي بدوره إذا سقط يسقط معه جوهر المشاركة. فعلى الرغم من المراوغة الفنية للدكتور التي أتحفها بالحديث عن غياب العدالة المؤسساتية وحكمها -أي المؤسسات – على بعض المكونات السياسية على أساس درجة الكفر والإيمان كما قال، إلا أن اقحامه للخلافة كشرط للحفاظ على كليات الدين التي بنى على انتهاكها دعوى المقاطعة تبين غاية الكاتب ووسيلته . فالغاية هي دولة الخلافة والوسيلة هي الإنتخابات الديموقراطية والغاية تبرر الوسيلة. إذا كان من المعلوم أن الخلفاء بإستثناء الإمام علي الذي هبت إليه الجماهير لم يأتوا إلى الحكم عبر الإنتخابات الديمقراطية، صار معلوما كذلك عدم راشدية الوسيلة الديمقراطية لأنها أجنبية عن الخلافة. فلو لم تكن الآلية الديموقراطية أجنبية لما تم سحق المقاطعين للخلافة الأولى الذين امتنعوا عن دفع الزكاة إلا للحاكم الذي يرضونه -فيما يشبه المطالبة بالحكم الذاتي حالياً- فحكم عليهم بأحكام الردة. فبيعة الخليفة الأول في سقيفة بني ساعدة قال فيها الخليفة الثاني أنها كانت فلتة من فلتات الجاهلية كما ذكر بن حجر في الصواعق المحرقة وبن الأثير في الإستيعاب والشهرستاني في الملل والنحل وغيرهم . والخليفة الثاني لم يأتي عبر الإنتخابات الديموقراطية لأنه تم التنصيص عليه من طرف الأول كما ذكر الطبري، ولا يستقيم القول العام بكون أبي بكر عين عمر بعد استشارة الصحابة لأنه لو كان الأمر كذلك لما عين هو ستة من الأفراد ليخلفوه ولكان إستشار الصحابة ثم عين عثمان؛ لكن الواقع هو أنه أقصى كل الصحابة وعين ستة منه علي وأمر بضرب عنق من يخالف الرأي منهم على من يعقد له. المستفاد من هذا الطرح معنيان. المعنى الأول هو كون غياب آلية الإنتخاب الديموقراطي لنمط الحكم الأمثل عند الدكتور والذي الذي يتجلى في اقامة دولة الخلافة يجعلنا نشك في إيمانه بالآلية الديموقراطية. ولهذا قلنا أن الغاية تبرر الوسيلة. المعنى الثاني وفيه بناء على الأول ويتجلى في تضييع الدكتور للمعايير التي استخدمها وفيه أبواب عدة نذكر منها: 1. إستخدام أوحد لآلية الإنتخاب الديموقراطي بحيث لما يتحقق حكم دولة الخلافة سيتم الإجهاز على هذه الآلية تحت عناوين الردة والرافضية وما أشبه كما حصل في عصر الخلافة . كما أنه لن يكون هناك مجال لتوضيف هذه الآلية من أجل مناهضة الخليفة الراشد، لأن الترتيب لمراجعة آدائه سيتم احتكاره من طرف فئة معينة من رجال الدين الذين هم على مقربة من فكره تحت عنوان أهل الحل والعقد. هكذا يكون إستخدام الآلية الديموقراطية إستخداماً أوحداً. 2. إستخدام أوحد لآلية التقييم السلوكي. فمن المعلوم أن آلية تقييم السلوك المناهض الذي تبنته جهات حساسة تجاه الخلافة قائم على مبدء ” إجتهد (ت) فأخطأ (ت) فله حسنة”. فعائشة مثلاً في حربها إلى جانب معاوية الذي ينكر عليه الكاتب ضد الخليفة الشرعي تراها عين الخلافة مخطئة مأجورة. وهذا المعيار هو أحادي بسبب كونه إستعمل في مجال التاريخ المحيط بشرعية الخلافة التأسيسية، لكن لن يتعدى ذلك المجال ليكون معياراً دائما لدى الخلافويين. فلما يتحقق حكم الخليفة الراشد مثلاً، فلن يقال عن المناهضين أنهم مجتهدون مخطئون. بل سيتم تصنيفهم على أساس درجة الكفر والإيمان براشدية الخلافة التي يدعو إليها. هذا لأن الخلافة هذه إذا كانت راشدية بذاتها كان الأرجح ضلالة المعارضين لها. فلا يمكن الجمع بين النقيضين في مثل هذه الأحوال وعليه فإن الغاية الخلافتية الراشدية لا يمكن أن تتعايش مع المعارضة وهذا فيه نفي للأسس الديمقراطية التي يحاول الخلافويون استعمالها استعمالاً أوحداً كوسيلة تبررها الغاية. ولتلخيص ما ذكرناه هاهنا، يكفي القول أن الخلافة الراشدة بما هي هي لا تمت لديموقراطية بصلة آلةً وروحاً، لأن الراشدية في سياق الخلافة وصف لا يتعلق بالناخبين وانما يتعلق بالحاكم الديني، لذلك فإختياراته تجري على الناخب وليس العكس.

فكر المشاركة .. ومضة إسلامية

يحظى السلام في الإسلام بأهمية لا تضاهيه فيها باقي الأديان. دين إسمه مشتق من مادة السلام، وفيه السلام إسم من الأسماء الحسنى لله . وتحيته – السلام عليكم – إذا قرأت على المصلي كانت له الرخصة للرد بمثلها أو أحسن وهو قائم يصلي. دين لا تنتهي صلاته إلا بذكر السلام وليلة القدر فيه سلام حتى مطلع الفجر. ولا ينكر المسلم خاصةً أهمية السلام في الإسلام إلا عن قلة علمٍ أو إعوجاج فهم. إذا كان في المشاركة خطر على المطالب وفي المقاطعة خطر على السلام فلا يمكن لمن علم بأهمية السلام في الإسلام الجنوح إلى ما لا تعلم عقباه لحد الآن. إن الذين لا يرون بأساً في ازهاق روح واحدةٍ تتريساً بحجة أية غاية كانت لم يفقهوا الآية الكريمة التي تقول :{ من قتل نفسا بغير نفس أو فساد في الأرض فكأنما قتل الناس جميعا}. فما بالك ممن طبلوا وزمروا لإزهاق أكثر من 35000 روح في حركات لم تتضح ملامحها بعد. وحتى لو توضحت الملالمح فهذا لا يبرر أبداً للحروب والإقتتال. فلو كان ذلك من الإسلام في شيء لما كان لزمرة الطلقاء أثر بعد الفتح. فالمشاركة من باب التعبير السلمي عن المطالب وحتى من باب التصويت المضاد للمفسدين على أساس عدم بيع الأصوات والمثابرة والمتابعة والنشاط هي أرجح بكثير من المقاطعة هنا وتشجيع الإقتتال هناك.

دروس من مقاطعي الأمم الأخرى

مع إستحضار بعض التجارب الحديثة التي تمت فيها الدعوة لمقاطعة الإنتخابات يمكن إستنتاج عدم تأثير المقاطعة على الواقع، بل إن هذه التجارب تفيد بمساهمة المقاطعة إلى حد كبير في تمكين الخصوم وتعزيزهم على الساحة السياسية. ففي الإنتخابات البرلمانية في فنزويلا لسنة 2005 أدى إنسحاب خمسة احزاب معارضة إلى إكتساح حركة الجمهورية الخامسة المساندة لتشافيز أغلبية المقاعد لتنتهي المعارضة إلى عكس ما رمت إليه وكانت نسبة المشاركة 25,3% . هناك كذلك مقاطعة الإنتخابات الرئاسية في الجزائر لسنة 1999 والتي وصلت نسبة المشاركة رسمياً 60% أو 25% بحسب المقاطعين، والتي أدت رغم إنسحاب ستة مرشحين من أصل سبعة في الأربع وعشرين ساعة الأخيرة إلى فوز بوتفليقة الذي فاز 73,8% من الأصوات. ولو كانت هناك مثابرة لكان المنسحبون مع مرور الزمن وإستمرار النضال احرجوا بوتفليقة في الإنتخابات اللاحقة بحيث إذا اجتمعوا على حوالي نصف الأصوات لكان بإمكانهم التنازل لصالح الواحد وازاحة الخصم. لكن المقاطعة أخلت له الجو للتصرف بكل إرتياح وطمأنينة. نفس الشيء حصل في مالي لصالح ألفا عمر كوناري سنة 1997 وقبل بكثير خدمت المقاطعة الطوغولي غاسيمبي اياديما وغيره. فلا يوجد نموذج لمقاطعة أدت إلى تحقيق المطالب بإستثناء الإستفتاء في سلوفاكيا سنة 1997 حول سؤال الإنظمام إلى النايتو والسماح بنشر الأسلحة النووية واقامة قواعد عسكرية في سلوفاكيا. هذا الإستفتاء الذي ليس من جنس الحراك السياسي وله طابع عسكري تمت المشاركة فيه بأقل من 9,5 % . لذلك فهو لا يصلح للبرهنة على نجاح المقاطعة السياسية. فلا يوجد إذن من التجارب ما يمكن الإعتماد عليه في هذا الموضوع.

في المغرب هناك الكثير في برامج الأحزاب من الأشياء التي يطلع إليها المواطن. فمن الأحزاب من قال بنيته صرف ألف درهم للعائلة الفقيرة وهذا ما يتعدى ما تم الحديث عنه في تونس الجديدة والذي لا يتعدى ستة مئة درهم شهرياً. لو علمنا أن الفقر كاد أن يكون كفراً، فلما لا تتجمع القوى وينصب الإهتمام على هذه النقطة؟ أليس في كفالة العوائل حفظ لها من التشرد؟ أليس في هذا حفظ للعقل الذي يذهب الفقر بصاحبه إلى الإذمان وبصاحبته إلى الزنى؟ أليس للدكتور زقاقي في افتائه بالمقاطعة يد في عرقلة الحفاظ على الكليات المقاصدية الخمسة ؟ أتساءل …

……………………….
صحيفة المثقف : (العدد :1949 الاربعاء 23 / 11 / 2011)