أوراق حقوقية

مغامرات القضاء في الكويت

ياسر الحراق الحسني/ الكويت واليابان بلدان لو شبها بالإنسان لكانا مع القصر في القامة مشهورين بطول اللسان. فاليابان لها لسان طويل في العلم والتكنولوجيا والإقتصاد.بينما الكويت لا يتعدى طول لسانها صراخ النجدة أمام الكبار وإصدار أحكام القرون الوسطى العقابية ضد كل ما هو فكر وضد كل ما هو رأي أو معتقد. مغامرات الفضاء في اليابان تشبه إلى حد كبير مغامرات القضاء في الكويت. ويبقى الفرق هو أنك تجد المنتج الياباني يستربح بإمتاع الصغار بينما يستربح منتجو الأحكام القضائية الجاهزة في الكويت بإمتاع الشيوخ. هذا هو حال قضاء الكويت الذي خرج البارحة بحلقة جديدة من مغامراته وفيها حكم ب 15 سنة سجنا على المحقق والباحث الديني ياسر الحبيب. ليصبح مجموع الأحكام الصادرة ضده 35 سنة لا لشيء سوى إبداء رأيه الذي قادته إليه ابحاثه في شخصيات يعتبرها البعض مقدسةً. هذا البعض الذي لا يرى في الآخر ورموزه سوى الكفر والزندقة يقدم بكل سخافة على إصدار  أحكام متخلفة كهذه. وهنا يجدر التوقف عند تداعيات مثل هذه الأحكام الخطيرة كما يجدر التوقف أيضاً عند المطب الأخلاقي الذي تورط فيه القضاء الكويتي بسببها. فكيف صفع القضاء الكويتي البسيط نفسه ياترى؟

سؤال القانون
لقد سبق للكويت في السنة الماضية أن جردت الشيخ ياسر الحبيب وابناءه من الجنسية الكويتية بموجب مرسوم وزاري عقبه قرار حكومي صدر يوم الأثنين 20 سبتمبر 2010 حسب إيلاف. وكان السبب الذي أبطنته الحكومة الكويتية هو مواقفه من بعض الشخصيات المثيرة للجدل في التاريخ الإسلامي، إلا إن السبب الذي ذكرته هو حمله لجنسية دولة أجنبية، وهذا ما يخالف الأنظمة الجاري بها العمل في الكويت. فمن هنا ومنذ ذلك الوقت، فإن وضعية الشيخ الحبيب وبحسب القانون الكويتي هي كونه مواطن أجنبي. وليس هناك في القانون الكويتي مادة تؤسس لملاحقة مواطنين اجانب بسبب اعتقاداتهم أو تصوراتهم تجاه الله ناهيك عن اعتقادات وتصورات الأجانب تجاه الشخصيات المثيرة للجدل في الإسلام. غاية ما يمكن التأسيس له قانوناً هو منع تأشيرة الدخول عبر مرسوم وزاري يفرز قراراً حكومياً بأن شخصاً أجنبياً ما يعتبر غير مرغوب فيه. وحتى لو افترضنا تنزلاً أن تكوين رأي معين في شخصيات من التاريخ الإسلامي بناءً على النصوص التاريخية يعتبر جريمةً في الكويت، فان المادة 13 من القانون الجزائي لا تسمح بقيام الدعوى الجزائية على مرتكب جريمة في الخارج إلا إذا صدرت أحكام في حقه واستوفاها في الخارج. وبما أن الحكم المنشور يوم 7 دجنبر 2011 بالسجن 15 سنة إستند إلى آراء سياسية ودينية وأنشطة حقوقية وقعت على التراب البريطاني، وبسبب عدم مخالفة هذه الأنشطة القوانين الجاري بها العمل في بريطانيا، فإن الحكم الأخير هذا يعد مخالفاً لقوانين الكويت كذلك. كما أن المادة 23 من القانون الجزائي تمنع المساءلة الجزائية عن كل من كان عاجزاً عن إدراك الصفة الغير المشروعة للفعل وقت ارتكابه؛ وبناء عليه، كان يجب ومنذ الحلقة الأولى من سلسلة المحاكمات الدونكيشوتية إذا أريد لها أن تكون عادلة، وجب على المحاكم إعطاء الحق للمدعى عليه الدفاع عن نفسه من خلال اعطائه الفرصة في محاكمة عادلة وشفافة ليشرح للمحاكم وأمام الإعلام لمذا لا يعتبر اقدامه على إنتقاد الشخصيات المثيرة للجدل بمثابة جرم. وهذا من شأنه إعطاء الشيخ الحبيب الحق القانوني في ابراز أبحاثه واخراجه لأمهات الكتب أمام القضاء والرأي العام. لكن مثل هذه الأشياء في دول الخليج لا تتعدى مستوى الأحلام. فأساس الأحكام الصادرة سواء في مرحلة اقامة الشيخ الحبيب في الكويت أو خارجها تعد أحكاماً تخالف القوانين الكويتية وتزيد سوءًا لسمعة الكويت الدولة. الخطير في الأمر هو إن مثل هذه الشطحات من شأنها فتح الباب في دول خليجية لا معنى للعدالة فيها بحيث يكون مسوغاً لإعتداءات على أمن وسلامة مفكرين اجانب لهم قراءة خاصة للتاريخ الإسلامي. فلا يستبعد قيام بعض الجماعات المتطرفة بإستصدار أحكام غير معلنة وتفعيلها في دول مجلس التعاون الخليجي عندما يقوم هؤلاء الأشخاص بزيارة إحدى هذه الدول. وهذا أمر غير مقبول وإن كان من الممكن تفاديه بمقاطعة الدول التي لا تحترم الإنسان وتعيش أيام ملوك الطوائف. لكن يبقى في كل هذا تقييد لحرية الإنتقال عند شريحة من المجتمع كان من المفترض العناية بها واستيعابها عوض محاربتها.

السؤال الأخلاقي
من الصعب تصور قيام القانونيين في الكويت بتقييم التاداعيات القانونية لسابقة قضائية في الحكم على الأجانب، إن لم نقل من الصعب تصور فهمهم لأبجديات القانون نفسه. فمن الواضح الغياب التام لكفاءات قانونية تنظر بعين العلم والتجرد في القضايا الواردة على القضاء للمناقشة والتقييم والإقتراح، وكل ما هو واضح من مسلسل مثل الذي نحن بصدده هو حضور قوي للوبي الأصولي المتطرف. لوبي لا يعرف كوعه من بوعه ويستمال تقديراً لقوة حشده وحرصاً على دوام وده وشهادة له لدى الأمير بأنه أول من رمى بسهمه. ألم يعلم مروضو الأصولية العمياء أن إصدار حكم على معتقدات وتصورات الأجنبي من شأنه قلب العصى إلى أفعى تلسع السامعين فيسالون أهل الأحكام الجاهزة عن الرسام الدنماركي وعن سلمان رشدي ومديري الفضائيات الذين يسبون الله؟ أين كان الحاكمون على الأجانب في هذه الموارد؟ هل هم رجال عدول بما فيه الكفاية لإصدار احكام في حق المواطنين الدنماركيين والبريطانيين ؟ لمذا لم يحرك القضاء الكويتي ساكناً في قضية القس فريد فيلبس الذي سب الله ورسوله وحرق القرآن في كنيسة ويست بورت بابتست؟ أليس هذا بدليل على أن القضاء الكويتي يعبد بعض الشخصيات الإسلامية من دون الله ؟ هذا هو السؤال الأخلاقي الذي تورط فيه الرسميون في الكويت ويالها من ورطة..

في الختام لا يفوتني أن اسجل أنه إنطلاقاً من الإسلام لا يمكن مصادرة الآراء. ولو تعلم جهابذة الكويت من دولة الإمام علي التي كان للخوارج فيها منبر وسهم من بيت المال لما آلو إلى هذا الوضع المخجل. لكن الذي يتعلم من دول قطع الرؤوس لحصد البيعة لا يتوقع منه التخلق بأخلاق تحترم المقصد الإسلامي الذي يضمن للإنسان الحرية في التصور والإعتقاد ما لم تكن دعوةً لقتل النفس المحترمة. فهل مع مثل هذه الدول يمكن بناء المستقبل الديموقراطي الذي تتطلع إليه الشعوب؟ سؤال لكل من يظن ولو للحظة أن دول كهذه تعنى بحقوق وكرامة الإنسان.
العودة الى الصفحة الأولى
……………………….
صحيفة المثقف (العدد :1964 الخميس 08 / 12 / 2011)