مقالات دينية

إرغام الواقف ضد إثبات التشيع من طرق المخالف (الجزء الثاني)

ياسر الحراق الحسني/ سبق أن كتبت مقالاً رددت فيه على الأستاذ الكريم رشيد سودو قوله ببطلان حجية إلزام الشيعة لغيرهم بمصادرهم. وكان ردي إرغام الواقف ضد إثبات التشيع من طرق المخالف (الجزء1) فيه إشارة إلى إضطرابه في التعامل مع المفاهيم و اعتماده مضامين نوستالجية غير علمية كقوله أن جمهور علماء السنة من أذكياء العالم دون الحاجة إلى دليل، ناهيك عن غياب للتوثيق غياب العدل عن قصر معاوية.فكتب لنا رداً لم يجبر به كسر مقاله الأول “مقاربة نقدية لأطروحة شيعية”، وإنما زاده جرحاً على كسر مثل ذلك كمثل اللقلاق الذي قبل صغيره ففقأ عينه. فيما يلي وصف لما هو مفكك بأصله مما جاء في مقال رده المعنون : “أنظر إلى الأصول لا إلى الفروع والقشور”، حيث الإنتحار الجماعي للأفكار بعد إضراب العقل عن الطعام إحتجاجاً  على الذبائح الشيعية التي غزت مختلف الأسواق الثقافية. هنا رد تأبيني سريع بعد فشل الأمل في جراحة المقال الثاني الذي ثبت إنتقاله مع المقال الأول من الموت السريري إلى عالم “اليوم ننجي بدنك”، ليبقى الكلام الهيكل حجةً على أصحابه و إن لم تكن فيه روح. و الأهم في كل هذا هو إستخلاص ذهاب الأستاذ سودو كما ذهب جمهور ممن سلف إلى تبني مبدء :” إذا وافق القرآن و العقل التشيع فاضربوهما عرض الحائط”. ذلك لأن إلزام المخالف بحجته ليست قاعدة علمية شيعية أو أطروحة كما زعم، و لكنها مبدأ ورد إستعماله في القرآن جاء ليقول أنه مبدؤ باطل. و اخراجه لهذا المبدء من الصواب فيه تخطيء للقرآن و لمن سيأتي ذكره من المحترمين في عالم المناظرة الإسلامية.

مع الرد الأخير

القول بأن إثبات حجية التشيع من كتب السنة هو أطروحة شيعية تجدها في كتاب معالم المدرستين لمرتضى العسكري أو المراجعات لشرف الدين الموسوي لا أساس له من الصحة. لأن أطروحة معالم المدرستين كما في مخطط بحوث الكتاب تشتمل أبحاثاً تعرض كلا المدرستين اللتين سماهما المؤلف: مدرسة الخلفاء و مدرسة أهل البيت. فتجد المؤلف يعرض مواضيع مثل الصحبة و الإمامة و الخلافة و مصادر التشريع و غيرها كما تجلت عند اصحابها. و لا يمكن للمطلع على معالم المدرستين اختزاله في كونه كتاب يعتمد إثبات التشيع من التسنن، خاصةً و أن المؤلف نفسه يقول في مواضع عدة أن الهدف من دراساته هي تحقيق التقارب بين المسلمين عن طريق تفعيل الاندية العلمية الكبرى كالأزهر و القيروان و رابطة العالم الإسلامي في مكة و الجوامع الإسلامية الكبرى في الزيتونة و النجف و قم وخراسان لكي تمد حكومات بلدانها بأبحاث علمية تعرف المسلمين بحقائق مختلف المدارس كي يتسنى لهم قبول ما يستحسنون منها و معذرة ما يرفضون، هذا بعيداً عن السباب و الشتائم و الإفتراءات(1). فهذا كلام مرتضى العسكري عن اهدافه من الدراسة الإستعراضية لكلتا المدرستين ترى الأستاذ سودو يوحي إلينا بحدوث إشتباه عنده فيما يخص المصادر جعله يأتي بمصدر يثبت عكس ما يريده .

أما قول الأستاذ سودو أن كتاب المراجعات يعبر عن أطروحة إثبات التشيع من داخل التسنن فهو باطل لأن كتاب المراجعات هو عبارة عن رسائل، و ليس أطروحة، تم تبادلها بين عالم شيعي و آخر سني في إطار المناظرة. ثم الذي بادر إلى المناظرة هو الشيخ سليم البشري المصري شيخ جامع الازهر المتوفى 1335 هـ و ليس السيد عبد الحسين شرف الدين هذا من جهة . أما من جهة أخرى فيمكن الجزم بحدوث إشتباه لدى الأستاذ سودو كالأول لإتيانه -مشكوراً- بمصدر إضافي يثبت ما نريد و الذي هو عكس لما يريد. جاء في معرض كلام السيد شرف الدين عن أحقية و اسبقية أهل البيت إعتماد على الآيات القرآنية كآية التطهير و آية { ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا } و غيرهما. وهذا دليل على سعي المناظر الشيعي في الإلتزام بكتاب الله كأساس لفهم القضايا الخلافية و لم يكن سعياً لإستخراج دلائل المذهب الشيعي من كتب الصحاح السنية. فحينما يكون تفسير اية معينة موجودا عند الفرقتين ومن المعارف المشهورة، لا يمكن القول بأن الذي يذكر تلك المعارف على إختلاف ما إستعمل من مواردها بأنه إستعمال لإثبات طائفة معينة على حساب مصادر الأخرى . لأن البديهي المسلم به لا يشترط فيه التنصيص، ويكون القول بمصدر المخالف في أمر شائع ضرب من اضراب الاستئناس. فقول الشيعي مثلاً أن آدم هو أبو البشر قول لا يحتاج لا إلى نصوص أولية و لا إلى نصوص ثانوية للإثبات. فإذا قال شيعي أن ذلك ورد في كتاب البداية و النهاية لإبن كثير فهذا لا يعدو كونه استئناساً و لا يشير لا من قريب و لا من بعيد إلى خطة “أطروحة” كما تفضل استاذنا، وقد يدل على إنفتاح الشيعي على مختلف المصادر كذلك. هذا و لا عيب كما سيتبين لاحقاً في إلزام المخالف بحجته. فإذا عدنا إلى السيد شرف الدين و اعتماده إبتداءً على القرآن و الشائع من معارفه تجد الذي طالب بالأدلة من كتب السنة هو الشيخ السني سليم البشري المصري حيث قال في المراجعة 8: “فإن كلام أئمتكم لا يصلح لان يكون حجة على خصومهم والاحتجاج به في هذه المسألة دوري كما تعلمون . والسلام ” . و قال كذلك في المناظرة 13 في معرض رده على إعتماد السيد شرف الدين على الآيات القرآنية: ” وربما اعترض بأن الذين رووا نزول تلك الآيات فيما قلتم إنما هم رجال الشيعة ، ورجال الشيعة لا يحتج اهل السنة بهم ، فماذا يكون الجواب..؟”… سؤال حجرة لا يسع المجال لتعداد العصافير التي أسقطها في آن واحد من شجرة مغالطات الأستاذ سودو.

فهذا الكلام و من شيخ أزهري يدل على بطلان القول بأن جمهور علماء السنة وثقوا لمخالفيهم كما أوهمنا الأستاذ في مقاله الأول. و يدل كذلك على أن هناك مفارقة غريبة ترى فيها المناظر السني يطلب من الشيعي إثبات قوله من السنة. وهذا إن دل على شيء فهو يدل على التعصب للسلف كقاعدة وحيدة لفهم الدين عند السنة. كان أحرى بالمناظر السني تفسير القرآن بالقرآن أو إستعمال القواعد المنطقية و الإستدلالات العقلية المتجردة المنطلقة من المعارف الأولية، لكن لزوم السلف هو ما يفسر طلب مناظري هذا المذهب للآخر بأن يفتش له عن دليل من مصادره، و الطامة هي أن تقلب الصورة ويقال أن الشيعة عندهم خطة “أطروحة” لإقناع مخالفيهم وذلك بإستعمال مصادر هؤلاء المخالفين. إذن، ثبت من الكتابين الذين احالنا اليهما الأستاذ سودو من خلال مقال” الأصول لا القشور ” أو هما معاً غياب أي أطروحة من هذا النوع بالمعنى الإبتدائي. وكل ما خلصنا إليه هو كون معالم المدرستين لا يصلح لموضوع الإستشهاد، كما أن المراجعات أثبت اذمان المناظرين السنة على السلف و هم الذين يطالبون خصومهم بإستعمال مصادرهم الخاصة و ليس العكس على نحو الإطلاق.

القرآن و حجية إستعمال مصادر المخالف

عن مبدء إثبات طائفة التشيع شرعيتها من موارد الطائفة المخالفة يقول استاذنا الكريم في مقاله الثاني المذكور أعلاه و أدناه : “..وأقول: نعم هكذا هي في تصوري، زعم ووهم. صدقني أنني حاولت الاقتناع بها فلم تسعفني الرؤية الشاملة للموضوع فوجدتها لا تصمد للنظر النقدي.. بل وجدتها تحمل دليل بطلانها في أحشائها فحاولت إخراجه إلى نور الشمس ليراه الناس إلا من على بصره غشاوة.. وعليه فأنا الذي يحكم على تلك الأطروحة بالزعم والوهم، ولا أقول بأنها زعم في وعي أصحابها، بل هي عندهم من الحقائق والأدلة القوية..”. فالقول بحجية إلزام المخالف من مصادره أو بمصادره بحسبه هي زعم ووهم. و تحمل دليل البطلان في الأحشاء ما جعله يلجأ إلى ممارسة عملية قيصرية تسببت في ولادة غير طبيعية لمخلوق فكري مشوه، تم اخراجه إلى النور ليقال للناس: حذار! هذا هو المخلوق الفكري المشوه عند الشيعة … و المؤكد أنه على مستوى المجاز أو الحقيقة ، ما من بطن شيعي بقر إلا وجدت مثله من بطون المؤمنين بقر كذلك على عهد فرعون وهامان و من بعدهما. فإذا أخذنا فقط في هذا المقام مسألة بقر البطن الثقافي الشيعي لإخراج فكرة الزام الشيعة لمخالفيهم بكتبهم على أساس أنها مخلوق مشوه أو أنها أمً لمخلوق مشوه ، فإنك تجد نفس الشيء يقوله المعاندون من الديانات الأخرى على الإسلام و ما قالوه عن عنايتهم بأخبار الرب و قيام نبينا -عياذاً بالله- بنقل ذلك و الإتيان بدين جديد هو من المسائل المعروفة. هناك أكثر من مثال اقتصر على واحد وهو قوله تعالى في سورة المائدة عن اليهود :{وكيف يحكمونك وعندهم التوراة فيها حكم الله ثم يتولون من بعد ذلك وما أولئك بالمؤمنين}. فهذا تحكيم من القرآن واضح الدلالة لما في أو ما كان في كتب الخلاف التي أقر بأنها باطلة و محرفة وهو نظير تحكيم الشيعي للبخاري أو مسلم أو غيرهما . فلا يجتمع القول بأحقية و توثيقية اليهود لمجرد إستعمال القرآن لما ورد عندهم. لكن إذا ذهبنا مذهب الأستاذ سودو فإننا نستنتج ما مفاده أن اليهودية أوثق من الإسلام على قاعدة تأسيسه لتوثيقية التسنن في مقابل التشيع و التي تنبني على أساس لجوء الشيعة في توهمه إلى مصادر السنة إعتماداً. و ما مدار مصادر الخلاف في عجلة الإحتجاج الشيعي إلا مدار الاستئناس و القرينة و التوثيق المتنوع.

مع أحمد ديدات

بالرغم من وفرة نماذج إحتجاج علماء سنيين بمصادر غيرهم فإنني لم اختر سوى النموذج المقبول و المشهود له في موقع الخلاف بالأهلية و الأعلمية و الإحترام، و كذلك النموذج الذي لما نأتي بما صدر عنه فإننا لن نكون أمام عناء الببليوغرافيا لاشتهار أقواله ووفرة أشرطته على كل محركات البحث المكتوب و المرئي على الإنترنت، فلا يكون للخصم الثقافي مجال للإعتراض . ومن هنا جائت فكرة نموذج الشيخ أحمد ديدات لنبين بها ما أنكره استاذنا الكريم على التشيع، ألا وهو الإحتجاج بمصادر الخلاف. فليس هناك من المهتمين بمناظرات الشيخ ديدات من لا لم يشاهد مناظرته مع القس الدانماركي إيريك بوك حول مسألة إدعاء المسيح للألوهية. مناظرة إعتمد فيها ديدات على إنجيل متى لإثبات فصل السيد المسيح بينه وبين الله في قوله “انما الصالح هو الله”، إشارةً منه إلى تواضعه كعبد في مقابل الصلاح المطلق الواجب لله. فهذا كان إستشهاد تأييدي على الوحدانية من الإنجيل. و قد إستشهد كذلك من الإنجيل إستشهاداً إضرابياً أراد منه إظهار التعارض الموجود داخل الإنجيل و الذي هو إضافة إلى تعارضه عند المسيحيين أنفسهم فهو يتعارض مع الإسلام. تجد هذا في إستعمال ديدات لكتاب رسالة القديس بولس إلى أهل رومية و الذي ورد فيه أن “(الرب) جعل في بذرة داوود”! ..

وهذا ما يتعارض مع ما جاء في العهد القديم و جاء عند المسلمين عن أن الله هو خالق الكون، ومنه لا يعقل أن يكون مخلوقاً من سلالة داود. فهل ياترى إستشهاد الشيخ ديدات بكتب المسيحيين يعني أن السلف عندهم من أذكياء العالم؟ هل هذا يعني أن مدوني مصادرهم هم أوثق مما جاء في القرآن؟ لقد رأينا كيف أن إثبات التشيع من طرق الخلاف ليس أمراً إعتمادياً بقدر ما هو أمر قريني إستئناسي. و رأينا نماذج مطلوبيته عند الطرف -السني مثلاً- المقابل للمناظر الشيعي، و الذي يحكم مرويات السلف كأساس للإلتزام عوض المعارف الأولية و الإستدلالات العقلية. و رأينا كذلك كيف أن مبدء الإستدلال بطرق المخالف أمر ثابت في القرآن و استعمله أحد كبار المناظرين المسلمين مع المسيحيين في العصر الحديث. و في هذا إشارة مع مختصر العبارة إلى أن بعض الأساتذة و المحاضرين يذهبون في أنتيشيعيتهم إلى حد ضرب القرآن و العقل معاً عرض الحائط إن هما وافقا التشيع.

_______

1. مرتضى العسكري، معالم المدرستين الجزء الأول ص 97. الطبعة الخامسة 1995 عن المجمع العلمي الإسلامي

هسبريس 2012-01-02