مقالات دينية

التشيع الطنجي في “الإفادة”

ياسر الحراق الحسني/ أحداث مسلسل نفي التشيع المغربي لا تجري فقط على قدم وساق كما عهدنا مع تطور وسائل دعم أنصار دول القرون الوسطى. المستفيد دول تنتج عوض الطماطم براميل البترول، و عوض إنتاج النخب تنتج حراساً لمعبد القمع و الصكوك السلطانية. يتم في معامل الأديولوجية المتطرفة عندهم تحويل عدد من الشباب المغاربة و غيرهم إلى مواطنين يدينون بالولاء للشيخ مفتي الأمير. يعودون إلى بلدهم بعد ذلك على سيارات مرسيدس الفانطوم لمحاربة الصورة و الثلاجة و قيادة المرأة للسيارة. يعودون لمحاربة ماضي المغرب و حاضره بأفكار إبنبازية لا تستولي إلا على المنكوبين بالكوارث الغير طبيعية. لا يزيدنا انكارهم للمكون الشيعي في الثقافة المغربية إلا إصراراً على اغراقهم في الحجج البينات إلى أن يقولوا آمنا برب موسى و هارون. ففي موضوع التشيع الطنجي الذي عرضناه في بحث كتاب “البحر العميق” للعلامة الراحل أحمد بن الصديق بما يجعل ليله كنهاره، نزيد محجته بياضاً بهذه الورقة عن التشيع الطنجي من خلال كتاب “الإفادة بطرق حديث النظر إلى وجه علي عبادة” للعلامة المحدث الراحل عبد العزيز بن الصديق. و إذا كنت لا تعرفه، أو تعرفه كما نحن كطفل تقبل يده و هو يمر بجانب اعدادية إبن الآبار، فهذا كلامه ينبي عنه الرافضية الصافية. و إذا كان كما نقل لي بعض الشيوخ القريبين منه شديد التقية و الظهور بمظهر أهل الصوفية، فذلك لأنه لو لم يكن هكذا لما أسس لإسترجاع التشيع إلى قلوب الشباب. ذلك في مرحلة الثمانينيات التي امتازت بسعودة الحقل الديني، و حملات الوهابية لتجنيد الشباب لأفغانستان، و زرع الأبواق الإبنبازية في مختلف المساجد كمسجد الزمزمي في حسنونة (الذي كان يخطب فيه أب الزمزمي المعاصر صاحب النوازل الفقهية المثيرة للجدل). هذه نماذج من الكتاب المذكور و التي لا تدع مجالاً للشك لدى المطلع الذي نعرض عليه أشياء ناذرة بسبب الإهمال و الإتلاف اللذان لحقا بأعمال السيد المذكور.

مع التصريح

لست أدري كيف يتكلف المتكلفون في سبك التأويلات و رص التخمينات حول مذهب رجل يقول عن نفسه في مقدمة كتابه “الإفادة”* ما نصه حرفياً : “فهذا جزء سميته الإفادة بطرق حديث النظر إلى علي عبادة، جمعته رجاء الإنخراط في سلك شيعة هذا الإمام الجليل الذي جمع من العلوم والمعارف الربانية ما لم يجمعه غيره. كلام لا يحتاج إلى تعليق مطول إذ إن فيه تمجيد للتشيع عبر عنه برجاء الإنتماء إليه بكل ما في العبارة من معاني الرغبة و التوقع النابعة من التواضع الذي عرف به . فلما نقول اننا نرجو عفو الله مثلاً ، فإن عفو الله يكون غاية السؤال و نهاية الآمال في مقام الرجاء المذكور. و إذا كان رجاء الإنخراط في سلك شيعة علي يجعل بن الصديق يكتب هذا الكتاب، فغاية سؤاله من كتابه هذا و نهاية أماله عليه هي أن نحسبه منخرطاً في سلك شيعة الإمام علي . فكيف يأتي اليوم من ينكر هذا مع بيانه ؟ و تبقى هذه الومضة من ناذر ما صرح به العلامة عبد العزيز بن الصديق عن نفسه بطريقة مباشرة لا يمكن التكلف في تأويلها.

أشياء أخرى

من بين تلك الأشياء التي تدل على شيعية ورافضية المؤلف مثلاً ترجيحه لمذهب أبي ذر الغفاري وسلمان الفارسي والمقداد في تفضيل علي عليه السلام على الصحابة . وقوله أن كل الصحابة لم يظفروا بعشر معشار ما حازه علي عليه السلام من شرف وعلو في المكانة . قال ابن حجر العسقلاني في هـدي الساري (ص 640) :” والتشيع محبـة علي وتقديمه على الصحابة ، فمن قدمه على أبي بكر وعمر فهو غال في تشيعه ويُطلق عليه رافضي” .و قال الذهبي في سير أعلام النبلاء (ج 16 ص 457) : “..ولكن جمهور الأمة على ترجيح عثمان على الإمام علي، وإليه نذهب ، والخطب في ذلك يسير ، والأفضل منهما بلا شك أبو بكر وعمر ، من خالف في هذا فهو شيعي جلد “. فعلى القواعد التي أسسها كبار المحدثين في فرقة الخلافة يمكن الجزم بشيعية العلامة المؤلف. ويزكي هذا القول إعتباره أن المنحى المخالف في مسألة افضلية الإمام علي يعتمد على “دسائس النواصب” كما جاء في تعبيره.

و من الأشياء التي نوردها بهذا الخصوص أيضاً كيفية صلاته على أهل البيت كما في مثال مؤلف “الإفادة” حيث كان يقول :” ..وعلي وفاطمة والحسن والحسين عليهم الصلاة والسلام ” . وهذا ما لا يذهب إليه إلا الشيعة . ذلك لأن مخالفيهم يتبعون ذكر أهل البيت بعبارة :”رضي الله عنهم” وأحياناً بلا تعقيب. و لا وجه لمسألة تعقيبه ذكر بعض الصحابة بعبارة الترضي في ظروف مثل التي ذكرناها في التقديم و التي لو كان أظهر فيها خلاف ذلك لكان الأثر على وظيفته في نشر فضائل أهل البيت أثراً سلبياً و مانعاً يحول دون الوظيفة. و إن لم تكن على غرار دفع الأسوء بالسيء، فهي من باب المخاطبة على قدر ما تستوعبه العقول و التدرج في تناول القضايا الدينية. و يوجد من أعلام شيعة المشرق نموذج السيد عبد الحسين شرف الدين الذي كان أحياناً يترحم على أعداء أهل البيت في كتبه مع الإمعان في الكشف عن مثالبهم. وهذا أسلوب أدبي جاء مثله في القرآن في الآية الكريمة : “إِنَّ شَجَرَةَ الزَّقُّومِ، طَعَامُ الأَثِيمِ، كَالْمُهْلِ يَغْلِي فِي الْبُطُونِ، كَغَلْيِ الْحَمِيمِ، خُذُوهُ فَاعْتِلُوهُ إِلَى سَوَاء الْجَحِيمِ، ثُمَّ صُبُّوا فَوْقَ رَأْسِهِ مِنْ عَذَابِ الْحَمِيمِ، ذُقْ إِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ” (الدخان: 43 -49). ففي الآية ترى كيف أن الله تعالى بعدما وصف الكافر بالأثيم و أخبر بمآله في جهنم ، و صفه بعد ذلك بأنه عزيز كريم . فورود هذا الأسلوب في مدح المذموم على المعنى غير المتعارف عليه من القرآن دليل على صحته. فلا يجوز بناءً عليه الإحتجاج بمثل هذه المسائل حصراً.

ذكر الكاتب المغربي منتصر حمادة في “اركيولوجيا التشيع بالمغرب” أن مكتبة عبد العزيز بن الصديق في طنجة لعبت دوراً مهماً في نشر التشيع الإثناعشري. وجاء في الإركيلوجيا المذكورة أن عبد العزيز بن الصديق خلف أخاه الأكبر -صاحب “البحر العميق”- في تكميل مهمة نشر التشيع (وهي بالأحرى ليست سوى تعبيراً عن الذات) ، و أنه كان لديه ميول واستعداد لذلك التوجه. و ذكر كذلك أن المكتبة التي تحمل اسمه في مدينة طنجة كان لها دورها بشكل أو بآخر في نشر الفكر الشيعي من خلال المؤلفات والكتب التي تعرضها. فنموذج عبد العزيز بن الصديق يعبر عن مكون ثقافي شيعي دافع عنه و احتضنه خيرة من علماء مدينة طنجة المغربية. فالأسرة تنحذر من شجرة مشهورة للسادة المغاربة و هم جزء من تاريخ المغرب، كما أنه لم يثبت تعاملهم مع التيارات الدينية الأجنبية و نتاجهم الفكري نتاج مغربي أصيل. و هذا خلاف باقي الظواهر الدينية كانت وهابية أو مسيحية و التي بني حجرها الأساس خارج الوطن.

كتاب “الإفادة” و كتاب ” البحر العميق” ليسا سوى ما أمكن الوقوف عنده لحد الساعة من الكتب الدينية المغربية المتلألئة بجواهر تزين الحقل الديني في المغرب. ففيها تجد ما قد يغيب عنك في كتب التاريخ، و منها تستخلص فهما لتنوع و غنى الحضارة في المغرب. فمطلوب إذن حماية على هذا التنوع من تسونامي الإستئصال المبنزن الذي هدم كل الآثار المادية لمدينة الرسول ص، و الذي لا يتوقع أن يتورع في هدم الآثار المعنوية للسائر في عكس إتجاهه. و مطلوب حماية هذا التنوع الإنساني من معلبي القناعات الدينية بهدف بيعها في أسواق السياسة.

____
الإفادة بطرق حديث النظر إلى علي عبادة، مجلة علوم الحديث، السنة الثانية ، العدد 3

1 reply »