ملفت للنظر

المفكر إدريس هاني: قراءة لأصولية النزاع حول الجنس في المغرب

 

مقتطفات من حوار قدمه إدريس هاني  لجريدة هسبرس (الأربعاء 04 يوليوز 2012):

 لماذا يخشى البعض من إثارة المسألة الجنسية؟

يخشى النّاس من إثارة المسألة الجنسية،لأنّها مسألة ملحّة فاضحة وصريحة وغريزية لا زالت عصية على الاحتواء ولا تحتملها لغة النّفاق . ولأنّها تعكس مفارقة الشّيء الأكثر حضورا في الحياة الفردية والجماعية والأكثر إحراجا عند البوح والتعبير عنها، وهي المسألة التي تحيل على أكثر الأشياء اشتراكا بين الإنسان والحيوان. وهي جزء من جدلية تضخّم حضور الغياب وتضخّم غياب الحضور؛ فهي غائبة في نقاشنا العمومي لأنّها متضخّمة الحضور في حياتنا الاجتماعية. فلا عجب أن تجد أنّ أكثر النّاس جدلا في الجنس هم الأقلّ معاقرة له. وأنّ الأقل إثارة له هم الأكثر استشباعا منه. فلا يجب أن يخدعنا هذا الجدل، لأنّه في العادة هو بين أناس أقلّ خبرة جنسية. الجنس يسكن الجسد والخيال ؛ أليس ثمّة وصلات إشهارية جنسية في النّص الدّيني هي العنصر الأكثر ترغيبا في الإيمان عند العوام؟! كما يسكن الجنس لغتنا المنسية وفلتات اللسان، كما يحضر الجنس في الثقافة والسياسة والاقتصاد والسّلم والحرب وحتّى الإرهاب. فالإرهاب في نهاية المطاف هو مشكلة جنسية بامتياز. ولو أنّ فهما سويّا للجنس وفقها حقيقيا يوسّع من صيغ الزّواج، لما فكّر الإرهابيون في قتل النّاس طلبا للحور العين. فالإرهابيون اختزلوا الجنّة في ماخور وتصوّروها كبديل عن مجون الدّنيا وصورة كاريكاتورية عن جنس يمارس بلا انقطاع ولا إزعاج . إنّ الجنس سلطة. ولذا سيحار المرء أن في أي شكل من أشكال السلط يا ترى وجب أن تندرج سلطة الجنس. لذا لا زالت السلطات الثلاث نفسها تخشى من الجنس: السلطة التشريعية والتنفيذية والقضائية. فقط السلطة الرابعة، سلطة الإعلام ، هي وحدها من يجرأ على سلطة الجنس، أو ربّما الجنس يتجرّأ عليها، أو ربما ذلك نابع من الحاجة المتبادلة بين الغوايتين معا؛ يحتاج الجنس إلى الإعلام لتصريف فائض المتعة، بقدر ما يحتاج الإعلام إلى الجنس لتصريف فائض الإثارة. إذا تتبعنا حضور الجنس في مناحي حياتنا، فسوف نقع في الفخّ الفرويدي. هذا الأخير نجح في تتبع المسألة الجنسية في حياة الأفراد والمجتمعات والحضارات، لكنه فشل في تدبير علاقة مسؤولة بين الدّافع البيولوجي وبين الشروط الأخلاقية للمجتمع. رفض فرويد أن يكون الجنس بمعناه البيولوجي قضية أخلاقية. لكنّه في نهاية المطاف جعل من الجنس قيمة القيم وأيديولوجيا و(ميتا ـ جنسية) متمرّدة لكنها لا تملك كلّ الجواب. هذا عموما، أما من جهة مجتمعنا، فهناك خشية من إثارة المسألة الجنسية، لأسباب أعمق من الأخلاق العامة، بل لأننا فشلنا تاريخيا في أن نرسي مفاهيم إنسانية للتواصل الجنسي. فلا زال الطابع الغريزي والوحشي هو الغالب على العلاقة الجنسية ومفهوم الجنوسة. ويجد الإنسان نفسه محرجا أمام أكثر التعبيرات الغريزية التي تكسر نفاقه الطهراني. وليس الدين هو من له مشكلة مع إثارة المسألة الجنسية، بقدر ما هناك تحسّس من هذه القضية من قبل الحامل الاجتماعي للدّين. إنّ إشكالية الفهم الديني لها أكثر من تجلّي في قضايا الإنسان والمجتمع. وما القضية الجنسية سوى جانب من سائر جوانب هذه الإشكالية. إنّ الجنس هو بلاء الوجود الإنساني. لا شيء في منطق الوجود يقهر الجنس سوى ربّ الوجود، لسبب بسيط هو أنّه تعالى وحده لا جنس له.

أين أخطأ الغزيوي وأين أخطأ النهاري؟

المسألة في تقديري تتجاوز حدود الجنس. المعركة حول الجنس هي هنا استمرار للمعركة السياسية والأيديولوجية بطريقة أخرى. هناك حرب قيم تتطور ملامحها في مجتمع يتّجه نحو مزيد من التعقيد والتعدّدية والانفتاح. وهناك لو شئت صراع أو صدام حضارات حول موضوع الجنس في المجتمع الواحد. ولكن سوف لن نتحدّث يوما عن نهاية تاريخ الجنس. هذا الجدل سيلاحق مجتمعنا كسائر المجتمعات، حتى لو أصبحنا ديمقراطيين بامتياز. لأن التجاذب حول المسألة الجنسية بين قوى المحافظة وقوى الإباحية موجود وبالحدّة نفسها في أوربا وأمريكا. الفرق هو أنّه توجد هناك ثقافة ومؤسسات تضمن حرية التعبير عن تحررنا أو محافظتنا بوسائل مسؤولة، تجعل الكلّ يدرك حدوده، بينما ليس يوجد لدينا ثقافة تسعفنا لتحويل قناعاتنا النّظرية بحقوق الإنسان والحرّيات إلى حقائق ملموسة على الأرض. فالجميع يضيق بالاختلاف ويبدي تجاهه مواقف غريزية. والموقف الغريزي من الآخر هو في تقديري جزء من الثّقافة المشتركة بين دعاة الحداثة والأصوليين معا في بلادنا. إنها مشكلة تربوية بامتياز. وفي مثال الجدال الذي تفجّر أخير بين السيد الغزيوي والسيد نهاري، لا شيء يدعوا للمفاجأة. فكلا الطرفين عبّر بوفاء وأصولية عن قيمه وفهمه للعلاقات الجنسية. لكن، لا بدّ من التّأكيد على أنّ حديث السيد الغزيوي يدخل في إطار حرّية التعبير. وهو تصريح لا يحتمل كلّ هذه الانفعالات. وأنّ حديث السيد نهاري تجاوز اللّياقة في التعبير عن الرّأي ليصل إلى الحكم وبالتّالي التّحريض. في لغة نهاري التي تنتمي لمخياله الطفولي المتّصل بعالم سيف بن ذي يزن، هناك ما يهدّد السلم المجتمعي. هنا يوجد خلل في طبيعة تصنيع الفتوى بالشروط المقرّرة في مظانّها، وهناك خلل في وظيفة وثقافة الفتوى. فإذا كان الغزيوي قد زاد في شحنة الصّدمة ونسي أنه في مجتمع محافظ إلى حدّ لا زالت المسألة الجنسية تشكل فيه طابوها، فإنّ السيد نهاري نسي أيضا أنه يعيش في مجتمع مختلف من حيث تمثّلاته القيمية ومن حيث شروطه الاجتماعية والسياسية وبأنّ للدين لغة هي أكثر عقلانية وأقلّ بهلوانية من أسلوبه الدّيني البدائي. ولا يهمّ إن كان المجتمع يمارس نفاقا جنسيا، لأنّه مجتمع ديني. والنّفاق هو في النهاية ظاهر سوسيوـ دينية؛ لا يمكن تصوّر الدين من دون نفاق يتربّص به. والنفاق هنا يعكس سطوة سلطة الجنس في مجتمعنا في ظلّ الهشاشة القيمية والاجتماعية. إنّ المسألة الجنسية لا تتحمّل الصّدمة. ولا تنفع العنثرية في تدبير المسألة الجنسية، سواء بلغة الإباحية أو بلغة المحافظة، بل تتطلّب نقاشا عموميا وتحسيسا وتأطيرا حقيقيا وهادئا لا نرفزة فيه: (لا نرفزة في الجنس). إن تسييس المسألة الجنسية لا يوفّر لها حلولا حقيقية ، بل يزيدها تعقيدا ويحوّلها إلى مجال للتعبيرات الكبتية. إنّ أي بند جنائي يجرّم العلاقات الجنسية خارج مؤسسة الأسرة ليس أمرا غريبا على المغرب بحكم انتمائه الجيو ـ ثقافي. ودعوات التّحرر الجنسي في سياق ما يعرفه المجتمع من تحوّلات في الثقافة وتداخلات في القيم ليست كذلك أمرا غريبا أيضا بالنّسبة لمغرب منفتح على قيم وأهواء تأتي بها رياح الشّمال. أمّا الذين يمارسون الجنس بالفعل وفي السّر خارج هذه المؤسسة، وغير معنيين بالثّرثرة الجنسية، فهم ليسوا فقط لا يأبهون بهذا البند، بل يجعلون منه جزء من الإثارة الجنسية التي تضفيها المغامرة الجنسية. فقوّة الجنس تمنحه مناعة أخرى يستطيع من خلالها أن يحوّل القوانين من وظيفة الرّدع إلى وظيفة الإثارة. إنّ المازوخية هي أقوى تعبير عن تحويل الألم إلى إثارة . ليبقى السّؤال، هل وجود بنود من دون خطاب تربوي، رادع حقيقي أم لا يعدو كونه عنوانا لانتماء سوسيو ـ ثقافي. المسألة الجنسية هي أبسط من أن نتحدّث عنها بقسوة. وهي أعقد من أن نباشرها باستهتار. فالغزيوي يريد أن يحرج الحكومة الإسلامية باستدراج الفضاء العمومي إلى صراع القيم كامتداد لمعركة أيديولوجية وسياسية مزمنة في البنية الصّراعية لمجتمع يواجه تحدّي الازدواجية الجيوثقافية. لكن، هل فكّر قليلا بأنّ حكومتنا الملتحية لن يحرجها شيء ، وهي تعيش إشباعا جنسيا أكثر من سائر المغاربة، مادام أغلبهم ربط بين السّلطة وتعدّد الزوجات؟! يبدو أنّ حكومتنا الملتحية غير متضامنة جنسيّا مع الشّعب.

كيف يمكن التعامل مع الموضوع بعيدا عن الاستقطاب الإيديولوجي ومحاولة مقاربة الموضوع مقاربة علمية تستحضر المجال التداولي الإسلامي؟

يجب أن ندرك مسؤولية الكلمة. نحن نعيش في مجال سوسيوثقافي مركّب تتداخل فيه قيم تقليدية وأخرى حديثة، بحكم وضعنا الجيوثقافي. هنا لا بدّ من الأخذ بعين الاعتبار حقائق الجغرافيا. هذا الذي يعتبره البعض نفاقا وهو ليس كذلك، بل ازدواجية يفرضها المجال. وعند الإخفاق في تدبير التواصل بين أبعاد الشّخصية الثقافية نصبح حدّيين أو شكيزوفرنيين أو هويّة ممزّقة هاذية. والمفارقة هنا أنّ الدّيمقراطية في المغرب لا يستفيد منها إلاّ المتطرّفون، وهي لا زالت مجرّد موضوعا للبوليميك السّياسي. المسألة الجنسية ليست موضوعا قابلا للتّزيف حتّى نتعاطاها بلغة الأيديولوجيا. إنّها موضوع علم. وقبل أن يوجد في الغرب شيء إسمه ” la sexologie” كما كتب عالم النّفس الفرنسي هيزنار، فقد كانت بوادر عربية قديمة لتأسيس علم للباه، أو ما أسميه بـ: الباهولوجيا. إنّ علماء بمن فيهم فقهاء عرب سبق وكتبوا في الثقافة الجنسية وقدّموا مادّة بورنوغرافيا تخييلية كما لمسناه في عديد مؤلّفاتهم ، مثل كتاب :” رجوع الشّيخ إلى صباه” لابن كمال باشا، ومثل كتاب الروض العاطر في نزهة الخاطر لنفزاوي. لقد حدث تحوّل كبير في العالم الإسلامي بخصوص التعاطي مع هذه المسألة. ففي القرون الأولى ، كان هناك الكثير من هوامش التحرر في تناول القضية الجنسية. بينما كلّما اقتربنا من العهد الحديث كلّما أصبح الحديث عن الجنس في ديار الإسلام تابوها محرجا. لقد تعاطينا مع الجنس في الإسلام فقط من جهة الأحكام لا من جهة علم الكلام. ولذلك وجد عندنا فقه جنائي للجنس ولم يوجد لدينا ثقافة جنسية أو علما للجنس. يجب أن نحرر العقل العربي من ثقافة الكبت الجنسي، لنستطيع إنتاج ثقافة جنسية سوية. فلا يمكن أن نتصوّر في الإسلام ما يدعو للكبت. فمن مقاصد الشّريعة حفظ الدين والنفس والعقل والعرض والمال، وكلّها لا تتحقّق مع وجود الكبت. لأن نظرة فاحصة في الفقه والسيرة تؤكّد على أنّ مؤسّسة الأسرة هي نفسها تتّسع لصيغ أخرى للعلاقات الجنسية ضمن صيغ بديلة أخفّ عبئا وإجرائية. أي أنّ كلّ علاقة جنسية مشروعة ، تعتبر علاقة ضمن مؤسسة الأسرة. فالأسرة تتكوّن من الزوجين، مع الاعتراف بوجود و حقوق الطفل الذي هو ثمرة طبيعية لتلك العلاقة. يجب الاعتراف بصيغ الزواج الأخرى واعتبارها منشئة لمؤسسة الأسرة. ففي الإسلام لا يمكن أن يزني إلاّ شقي، لأنّ لا مانع من خضوع أي شكل من أشكال العلاقة بين الرجل والمرأة لصيغة من الصيغ الشرعية الممكنة. والمانع استثنائي وإجرائي، وهو في الغالب وجد ليحمي مكتسبات الأسرة وحقوق الطفل. وقد بات هذا واضحا في أشكال التخريج في صيغ الزواج مثل العرفي والمسيار والمصياف وما شابه. وقد لا حظت أنّ السّلفيات المشرقية انفتحت على أشكال وصيغ أخرى من الزّواج، بينما السلفيات المغربية لا زالت متأخّرة عن ذلك. إنّنا إذا لم نوسّع من صيغ الزواج لتمكين المجتمع من هامش من العلاقات الجنسية السّهلة والمريحة التي تنطلق من فقه عالم و مثّقّف لا من أفهام دينية غير اجتهادية، فسوف نواجه مظاهر الجدل العقيم حول المسألة الجنسية كما سنقف على مظاهر غير سويّة من فتاوى تعزّز من مظاهر الجنس المرضي لا الجنس السّويّ. وفي كل الأحوال لن نتمكّن من تحقيق مصالحة الإنسان مع جنسه وجنوسته، بقدر ما سنجعل الجدل العقيم حول الجنس طريقا للإرهاب وتهديد السّلم المجتمعي.”