مقالات سياسية

قراءة في مراجعات السلفية الجهادية

ياسر الحراق الحسني/ تصنف حركة السلفية الجهادية ضمن الحركات الراديكالية بسبب تميز دعوتها بإستهداف تغيير جذري عنيف للأسس الإجتماعية والنظم القيمية في محيطها والعالم. وعرف بعض رموز هذه الحركة في السنين الأخيرة جنوحاً إلى تغيير مواقفهم السياسية والدينية فيما صار يعرف ب”المراجعات”.وأبرز ما عبر عنه في المراجعات يختصر في التراجع عن استحلال القتل على الجنسية – كقتل الأمريكان – والقتل على المذهب والإسراف في الاحتجاج بمسألة التترس لتوسيع دائرة القتل، واستحلال أموال الكفار والمرتدين حسب التصنيف السلفي وتخريب الممتلكات وغير ذلك.  
وظاهرة “المراجعات” بما تجد فيها من تحول ظاهري على الأقل لأناس من النوع الإنتحاري القاتل أو النوع المتحكم في بيادق الإنتحار إلى نوع قابل للحياة يجب أن تحظى بإهتمام كبير لما قد يترتب عنها من نتائج ايجابية على مستوى الأفراد والدول.
فما هي العوامل التي دفعت أهم المنظرين للتطرف للقيام بالمراجعات ؟ وهل هذه العوامل تحركت من جراء الذات نتيجة مرحلة طبيعية للنضج وإستكمال الوعي أم هي عوامل فرضتها ظروف خارجية ضاغطة؟ هل القضية قضية مراجعات أم تراجعات ؟


مناقشة على ضوء التقديم
النموذج الأهم: سيد إمام ( الدكتور فضل)
إن من أهم كتب السلفية الجهادية زبورها “العمدة في إعداد العدة” الذي ألفه يعسوب خلايا الجهاد المزعوم والذي لا يضارع كمرجعية في أوساط التطرف السلفي والمعروف بسيد إمام شريف -يعيش بداية عقده السابع في سجن طرة بمصر-. له باع في تأطير الجماعات التي استعملتها أمريكا ضد السوفيات، كما له مجلد ضخم في فقه القتال بعنوان:” الجامع في طلب العلم الشريف”. من شدة أهمية مضامينه التحريضية قام الظواهري بإعادة طبعه وتغيير عنوانه إلى ما صار يعرف بعد ذلك بكتاب: “الهدي في سبيل الرشاد” ( المصري اليوم 11/18/2007). سيد إمام نموذج مفيد بسبب ما قدم من نتاج تنظيري ضخم مقارنة مع شيوخ التنظير الكراستي، وهذا ما يفسر وقوفي عنده ومروري على باقي النماذج في ثنايا هذه الورقة. فبعد ثمان سنوات من أصل حكم المؤبد قضاها في السجن قام سيد إمام بإصدار بيان المراجعات وأعلن فيه عن “وثيقة ترشيد العمليات الجهادية”، والتي قال عنها الظواهري من منبر من لا منبر له القطري:”إن هناك من يتراجعون من داخل السجن ويقولون إن ابن تيمية أنتج كتبه، وابن حنبل، من داخل السجن وعليه فلا شيء في هذا ونحن نقول لهم إن ابن تيمية وابن حنبل لم يتراجعا عما كتباه داخل سجنهما”.
ينقل محامي الجماعات الإسلامية منتصر الزيات لنفس المصدر المذكور عن سيد إمام سبب قيامه بالمراجعات والذي بني على قصة تأثره بمقتل الطفلة شيماء أثناء محاولة اغتيال الدكتور عاطف صدقي رئيس الوزراء المصري الأسبق عام 1993. وهذه القصة لا يمكن اعتبارها كعامل مؤدي لمراجعات من هذا النوع بسبب الفارق الزمني بين وقوعها وإصدار المراجعات الذي يفوق 10 سنوات. كذلك يمكن التساؤل عن سبب عدم اصدارها قبل 2001 سنة اعتقاله في اليمن أو حتى مدة ما بين 2001 و2004 قبل تسليمه لمصر. فيبقى العامل المعقول الذي يمكن أن نتحدث عنه هو عامل القسر الذي يفقد الفاعل فاعليته ويفرض عليه نمطاً سلوكياً بالإكراه. فهو مكره على حياة لا يرغبها مطوق لا يملك أمام المؤبد إلا المؤبد. وترى من خلال أدبيات مراجعاته أنها تنبني على عدد من ردود أفعال بعيدة عن قصة وفاة شيماء، وهي عبارة عن حالة نفسية فرضها السجن عليه فصار ينظر إلى العالم من خلال نافذتها. فكان من نتاجها حديثه عن مفاهيم أهمها: “الاستضعاف” و”عدم الاستطاعة” و”بطلان فقه التبرير”. لسان حاله يقول:” الآن اتراجع لأنني انتقلت من محرض بطل كان يعيش حياةً تنظيرية خارج الواقع يمتدحه جمع غفير وله ضمانات عيش مما يغدق به مشايخ السلفية الخليجية إلى سجين سليب الحرية لا ضمانة له في العيش الكريم ولا ينفع لإخراجه من هذا العذاب أي تبرير “.
الصورة التي يقدمها لسان الحال هنا توضح أن العقل السلفي الجهادي ينتعش بعنصري النفحة البطولية وعامل الإستعلاء ولا يتراجع إلا بالإكراه الذي يفرض عليه الإحساس بواقع لا يمكن أن يحس به في الجو البطولي الوهمي.
وإذا كان أصل هذين العنصرين – النفحة البطولية وعامل الإستعلاء – يرجع إلى ماقبل الإجتهادات البازلتية لإبن تيمية، فإن من أهم عناصر تهييجهما حاضراً ما تنتجه بعض قنوات الإعلام العربي من سم معنوي ثنائي المفعول. فمن جهة تنفخ رؤوس المتطرفين بزيادة الوهم البطولي عندهم عن طريق اعطائهم وضعاً قيمياً عوض اعطائهم وضعاً إستنكاريا فيزدادوا عشقاً للإرهاب، ومن جهة أخرى توفر جوا إستئناسيا للمتطرفين لدى الجماهير من خلال نشر أشرطتهم وعدم نعتهم بالإرهاب في النشرات والبرامج والمواقع. والنتيجة تلمسها في ميول عوام هذه الجماهير لتمجيد الإرهاب لدرجة أنك تجد عددا هائلاً منهم لا زال إلى اليوم يترحم على أسامة بن لادن، ويحنون إلى غابر عهده الحافل بثقافة عنف ما أنزل الله بها من سلطان.
تحدث سيد إمام عن المفاهيم المراجعاتية المذكورة في المضمون الجامع الذي يحاول من خلاله البرهنة على سقوط تكليف الجهاد عن المستضعف الذي هزيمته حتمية، والفاقد للمال والاستطاعة، لكي لا يسرق أموال الناس لتمويل “الجهاد”- كما في فقه عصابات السلفية الجهادية التي انتهجت في مصر سرقة محلات الذهب -. حديث بنى قواعده على معاني بعض الآيات مثل آية {لا يكلف الله نفساً إلا وسعها} ومقتطفات من كلام إبن تيمية الحراني في ” الصارم المسلول” عن كون المسلم في زمن التمكين يعمل بآيات القتال وفي زمن الاستضعاف يعمل بآيات الصفح ! وكذلك انتهج الإسترداد عن طريق الإستناد إلى ومضات تاريخية يعرض فيها إسلام الهجرة وإسلام الصلح وإسلام الصفح وغيرها من المشاهد التاريخية.. إذا كان هذا هو حديث المراجعة فالمتأمل لا يجد فيه من جديد يذكر.
فلو كانت المراجعة ناتجة عن تحصيل علمي جديد لدى المراجع لكان القول بذاتية تولدها قولاً سليماً، ولكن مع تحقق تحصيل مباني المراجعة لدى المراجع في عين زمن تنظيره لعكسها يرجح لخارجية العامل المحرك لها. خاصةً إذا كان المراجع مكره ويقضي حكم السجن المؤبد. فالعامل الأرجح لصدور مراجعات سيد إمام هو عامل قسري يبدو واضحاً كونه له دور في جعل منظري العنف يدخلون حالةً نفسية يطغى عليها الإحساس بالضعف فيتولد عندهم رد فعل على مستوى التفكير من خلال زاوية الاستضعاف. ويدخلون حالةً نفسية يطغى عليها الإحساس بالفاقة والعوز وغياب الحلول للخروج من غياهب السجن، فيتولد عندهم رد فعل على مستوى التفكير من خلال زاوية عدم الاستطاعة وزاوية بطلان فقه التبرير.
وهذا ما يكسر التفكير الإعتلائي البطولي الضيق الذي يطغى عليهم في مرحلة الحرية التي كانوا يعيشون فيها بين الناس ويرسلون فيها الأشرطة الإستكشاكية*.
مرور على بعض المراجعات الأخرى
قام عدد من رموز السلفية الجهادية في المغرب بمراجعات تقل أهمية عن ما ذكرته آنفاً بسبب غياب بحوث للمراجعين تؤصل وتفصل فقهياً لهذه المراجعات. وهناك قاسم مشترك بين أرباب المراجعات السلفية في المغرب إضافةً إلى مسألة غياب العمل التنظيري المراجعاتي عندهم. هذا القاسم المشترك الثاني هو صدور المراجعات عمن طالتهم عقوبات سجن صارمة وهو نظير ما تحدثنا عنه في نموذج المراجعات في مصر. فخذ مثلاً أبو حفص محمد رفيقي الذي حكم بالسجن لمدة 30 سنة ثم خففت إلى 25 سنة، وحسن الكتاني الذي حكم عليه بـ20 سنة سجناً، ومحمد الفيزازي الذي حكم عليه بـ30 سنة وإستفاد من العفو مؤخرا. نقلت بعض وسائل الإعلام المغربية عن محمد الفيزازي قوله “أن السجن مدرسة كبرى وعظمى” (مثال: هسبرس 05/09/2011). وهذا الكلام يستحق التأمل لأنه صادر عن شخصية مرت في تطرفها من مرحلة الإستعلاء والوهم البطولي إلى مرحلة الاستضعاف الذي فرضه واقع العقوبة السجنية. فهو يعبر عن فكرة سبق ان ذكرتها في الحديث عن قضية سيد إمام تقول بأن الإكراه والقسر كعامل خارجي غير ذاتي هوما أدى إلى مراجعاته. وكلام الفيزازي هذا للإنصاف يعبر عن شجاعة الرجل في الإعتراف بالعامل الخارجي -عقوبة السجن- كعامل أساسي أدى إلى هذه المراجعات. فلا أفضل للاستدلال على هذا من نسبته العظمة للسجن كمدرسة.
يلاحظ كذلك أن سيد إمام لم يعبر عن شجاعة مماثلة في مراجعاته من حيث التعليل الإبتدائي، ذلك لأنه يرجع إبتداء مراجعاته إلى تأثير موت طفلة فيه وكأنه لا يرضى الإعتراف بتأثره أو تعلمه من تجربة السجن. وهذه المسألة تعطي في نظري مصداقية أكثر لشخصية الفيزازي في مقابل شخصية سيد إمام. ولعل المكانة المرجعية التي يتبوأها سيد إمام في عالم السلفية الجهادية وايقونية إسمه وتاريخه وعلاقاته كلها عوامل من الممكن أن تكون سبباً في محاولته إعطاء مراجعاته طابعاً ذاتياً محضاً.
هناك نموذج آخر لمراجعات مشابهة جاءت نتيجة العقوبات السجنية كعامل خارجي، حيث تحدثت مصادر قضائية جزائرية عن وجود مساع للمراجعة يقودها ناشطون في السجون الجزائرية. ويُعتقد أن عدداً من سجناء تنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي توصلوا إلى ضرورة بدء خطوات في هذا الاتجاه إثر اتصالات مع الأمير السابق للجماعة السلفية للدعوة والقتال حسان حطاب.
من الجدير بالذكر أن عامل السجن ليس الوحيد الذي أدى إلى ظهور المراجعات في التيار السلفي الجهادي. فهناك حالات أخرى تحقق فيها الإكراه والإرغام بطرق أخرى غير العقوبات السجنية الصارمة. وهنا تستوقفني ندوة “الأزمة الصومالية من منظور إسلامي” في بوصاصو -الصومال- 2009 والتي أثار فيها التيار السلفي التقليدي المنشق عن عسكرة العمل الدعوي قضايا أدب الخلاف، وكيفية التعامل مع المخالف وغيرها من قضايا كانت مرفوضة في الفقه الدعوي السلفي التقليدي.
ويتمثل عامل الإكراه في هذه الحالة في تدخلات أجنبية أدت إلى تدويل الأزمة وشرعنت لعمليات هجومية غربية ضد فلول السلفية الجهادية التي انهكت مسبقاً بالحرب التي خاضتها مع جبهات داخلية أخرى ومع الجيش الإثيوبي. وهنا لا يمكن الحديث عن إمكان تمتع رموز هذه الحركة بأسباب الإستمرارية من قبيل الوهم البطولي وكذلك الإستعلاء. فيكون من المعقول إذن القول أنها دخلت في نفس الحالة النفسية كما في الأمثلة السابقة التي فرضت عليها النظر إلى العالم من زاوية الاستضعاف وحتمية الهزيمة.
مراجعات أم تراجعات!
من الصعب جداً القول بأن مراجعات السلفية الجهادية تعكس حركةً فكريةً اصلاحيةً داخل النطاق السلفي التقليدي. هناك إستثناء في هذا التصور يتمثل فيمن كانوا يحسبون على السلفية التقليدية وصرحوا بعدم انتمائهم الآن إليها وقاموا كذلك بإظهار ما يتبنونه من بديل شرعي لما كانوا عليه. وهذا ما يصدق على مثال الشيخ الفيزازي الذي ينقل عنه قول أنه ليس سلفياً وكذلك ينقل له كلام مؤخراً عن مقاصد الشريعة السمحة كبديل فكري. هذا مثال توضيحي جيد، لكن يعيبه كون الفيزازي حتى في مرحلة ما قبل سجنه كان يقول كلاماً مشابهاً، وهذا ما يجعل الإستثناء مجرد إستثناء تصوري.
إذا عدنا إلى من ألف في المراجعات وتحديداً كبير المنظرين في هذا المجال سيد إمام، فهناك ما يجعل المرء يميل إلى إعتبار المراجعات مجرد مسألة تراجع مؤقت. وهناك دلائل متنوعة تؤيد هذا منها تأسس الرغبة في المراجعة على عوامل اكراهية خارجية تتمثل في العقوبات الصارمة.
وهذا ما يعني أن الذي يتحرر من هذه العوامل يحتمل أن يتحرك فيه العامل الذاتي ليهدم ما بناه على أساس العوامل الخارجية. ولعل تأكيد سيد إمام في مراجعاته على مسألة أنه ليس بمفتٍ وحصر مراجعاته في مجال التعبير عن الرأي يترك الباب مفتوحاً على مصرعيه لإحتمال نقض ما يقدمه في المراجعات تحت عنوان سمو الفتوى الدينية على الرأي الشخصي. كما أنه لو سلمنا بتطابق رأيه مع فتاوي بعض السلفية الرسمية في الخليج فانه لا يزال هناك مشكل كبير في الجانب التأصيلي للمراجعات. هذا الجانب إذا تأملنا في أحد عباراته نجد مسألة التراجع المؤقت واضحةً لا غبار عليها. فلما يقول سيد إمام مثلاً أن المسلم في زمن التمكين يعمل بآيات القتال وفي زمن الاستضعاف يعمل بآيات الصفح، فهذا يعني أن حتمية القتال منوطة بالتمكين، وأن اليوم الذي يحصل فيه السلفيون الجهاديون على المال والعتاد والدعم الخارجي سوف يعودون لا محال إلى الإرهاب المحلي والدولي مرةً أخرى.
إن غياب مبادرة سلفية جهادية ذاتية حرة تنبذ العنف وتؤصل لمراجعات عميقة تثير تساؤلات حول جدية مراجعات السجناء السلفيين -عامةً-. كما أن استناد الذين قاموا بالمراجعات إلى نصوص اجتهادية قديمة -مثل اجتهادات إبن تيمية- آخذين منها ما يفيد في الغرض المرحلي تاركين ما تستعمله السلفية الجهادية النشيطة -القاعدة- جانباً بحكم بطلان بعض الأحكام مرحلياً يثير تساؤلاً عن قابلية التثرات السلفي للمراجعة. فلما ترى فطاحلة التنظير الجهادي في قلب كتاباتهم المراجعاتية لا يتورعون عن التبشير بالقتال في زمن التمكين والتأكيد على حتمية الخلافة العالمية خارج نطاق أحداث آخر الزمان التي تبشر بها كل الأديان والمذاهب، لا يبقى من الممكن إنكار خطر الفكر السلفي الجهادي على الإسلام والمسلمين ثم العالم.
ولهذا يرى البعض أن إدراج هذا الفكر في خانة التجريم الدولي سيكون له أثر في الحد من انتشاره، وأنا أرى أن خير وسيلة لمواجهة هذا الفكر هي فتح المجال لنقده ونقد رموزه ماضياً وحاضراً دون تحفظ.
………………………………….
*الإستكشاك نريد به التعبير عن محاولة تقليد أسلوب عبد الحميد كشك في الإلقاء لا في المضمون بالضرورة.
شبكة النبأ المعلوماتية- السبت 27/آب/2011 – 26/رمضان/1432