ملفت للنظر

مقال في بهلوانية عبد الله نهاري

ادريس هاني، تكشيك الحقل الديني (هسبرس)

اعترافات سيف بن ذي يزن..المقالة التي حاول نهاري من خلالها تقديم جواب متأخّر عمّا سميته في فقرة من مقالة سابقة بتكشيك الحقل الدّيني، جاءت لكي لا تجيب عن شيء، بل لكي تقدّم نموذجا في التدليس والكهانة الإنشائية حينما يمارسها خطيب أدمن الخطابة حتى ضمرت عضلاته البرهانية. ولكنها بالقدر نفسه من التدليس تحتفظ بفضيحة الإقرار غير المباشر بكل ما سبق ذكره. فضّل نهاري أن يتحدّث عن مقالتي دون ذكر إسمي ولا معلومات عن المصدر والصفحة خشية أن يراجع القارئ النّص الأصلي فيكتشف فضيحة خطيب يحسن التّقليد و لا يحسن الاعتراف. نشرت المقالة أولا على صفحات يومية أخبار اليوم (جمعة 15/07/ 2011) وأعاد نشرها على صفحة الهيسبريس (2011-07-20 14:56:00) . وقد شرّفني أن لا ينطق إسمي لسان سليط سافل العبارة رديء الذّوق، حاول أن يتمسكن ويتدروش ويتواضع تواضع المرائي كما يقول علماء الأخلاق بعد أن ملأ الدّنيا صراخا ونقر الخشب وأتلف أعواد المنبر وسبّ الشّرفاء واعتدى على الحرمات. بل بدا لمن لم يطّلع على النّص الأصلي كما لو كان الأمر يتعلّق بتحامل مجلّة أو شيوع صفة التكشيك النهارية عند الغادي والبادي، مع أنّ المدار يتعلّق بعنوان فقرة من مقالتي ليس إلاّ، كان أحرى أن يواجهني مثل سيف بن ذي يزن وجها لوجه لا أن يلوذ باللّتيّا والّتي ممتشقا سيفه الخشبي وممتطيا حصانه القصبي. من جهتي سأكون كما كنت أكثر وضوحا وصراحة من نهاري لكي أشير إلى موضوعي بالإسم والصورة والدّليل من دون عقد وتدليس وجبن.

فضّل صاحب الحركات السندبادية أن يتعاطى مع مقالتي بغموض وتدليس كما لو أنها شاردة من دون توقيع ولا أحد مسؤول عنها. وردّ على محتواها بمقاسه وبكثير من الإنشاء والتلبيس. نسب المقالة لمجلة وجهة نظر وحاكم المجلة على أنها تروم استعداء من يهمهم الأمر ضده. وهذا مجرد تهويل مرضي واستنجاد رخيص بنظرية المؤامرة. ونحن نتمنّى لهذه الظاهرة الصوتية أن لا تشرّد في البراري وتعود بصاحبنا إلى غابر عهده بين قرقوش وفرقوش ، وأن تستمر في نزوها على المنبر وأن تتحفنا بمزيد من المشاهد الكوميدية ولو كان رأيي مطاعا لفضّلت أن تنقل هذه الخطب التهريجية بالمباشر على التلفزيون كي نمكّن كثير من المغاربة من الضّحك لا العظات. وليت المهرّج يعلم أنّني لم أكن لأهتمّ بهذه الظّاهرة المرضية لولا أنّني صادفت تلك اللقطات من تكشكشه على المنبر تتداولها الهواتف النقّالة خارج المغرب ، بوصفها ظاهرة غريبة ومضحكة جعلتني مضطرا لكي أسميها ظاهرة مرتبطة بصاحبها وليست حالة مغربية، حتّى لا نصبح مسخرة الأمم والشعوب. وكلّ ما في الأمر أن عبارة تكشيك الحقل الدّيني هي عنوان فقرة وردت ضمن مقالة عن الانحطاط الدراماتيكي لعلماء المغرب سطرها كاتب السطور من وحي رؤيته الخاصة لا علاقة للمجلة ولا أي طرف بها. فهل يدلّس المدلّس ويعاند لكي ينفي صفة الاستقلالية عنها، وهل يملك أن ينفي أنني صاحب رأي مستقل وأنّ مقالي معبر عن رأيي لا عن رأي المجلة. ومع ذلك خلط صاحبنا بين مجلة دراساتية وبين جريدة إعلامية. فالمقالة تتحدث عن ماضي المغرب وحاضره وكيف أن وضعية العلماء اندحرت من مستوى المختار السوسي والكتّاني وعلال الفاسي والعربي العلوي ونظراءهم لنصبح أمام ظواهر صوتية وأكروباطات مهسترة. لكن زاد يقيني بأننا أمام حالة غريبة من خلال اعترافات المدلّس في إنشائه العقيم. حاول هذا الأخير أن يقنعنا بتواضع مرائي بأنه أقل شأنا من عبد الحميد كشك وبأنّ من يعقد مقارنة بينه وبين الخطيب المصري الراحل لا يفعل أكثر من مقارنة بين النملة والفيل. وهل في ذلك جديد ، ومن يا ترى قارن بين نهاري وكشك؟

حينما تحدّثت عن ظاهرة تكشيك الحقل الدّيني ، ما كنت في وارد إقامة مقارنة بين نهاري والشيخ عبد الحميد كشك، ولا شيء يدلّ على ذلك في متن حديثي من قريب أو من بعيد. ولا نحتاج إلى تواضع صاحب سيف بن ذي يزن المدلس أن ينفي تلك المقارنة، فهي حقا مقارنة لا تتم بين خطيب استمتع المشرق والمغرب بخطبه العفوية والصريحة وبين شبح ذويزني وظاهرة صوتية سقطت سهوا فوق منبر مسجد الكوثر . وعلى كل حال ، لا زلنا نفرق في سوق الخطابة بين الأصل والكاملوت.. بين الجودة والرّداءة.. أليس من التّدليس أن يفتعل صاحب سيف بن ذي يزن كل هذه الاحتمالات كما لو أنّ ظاهر الكلام لا يفي بأن المقصود هو التقليد الصّوتي البليد للشيخ كشك لا علمه. والعقلاء يدركون أن استقباح تقليد شخص لا يعني القدح في المتشبّه به أو عقد مقارنة معه. لكن صاحب سيف بن ذي يزن لم يقر بحقيقة التكشيك وسعى سعيه عبثا ليوحي بأنه يقلّد سيف بن ذي يزن لا عبد الحميد كشك. أو لعلّه أراد أن يقنعنا بأن سيف بن ذي يزن كان مصريا صعيديا يشبه عبد الحميد كشك!؟ ولا أدري أين التقى بسيف بن ذي يزن حتى يتعلّم منه فنّ الصّراخ، ولكنه تحدّث عن تلك الأزلية التي سمعناها جميعا من الراديو وهي لا علاقة لها بالتكشيك النهاري. صحيح أنّنا لا ننكر أن حظ صاحبنا من الإبداع هنا أنه أضاف إلى التكشيك كشكشة. عدم الاعتراف والعناد والاختباء خلف متاريس من المزاعم والتماوت الدّيني لا ينفع في البراءة من التدليس. ولكن وغيرة على إسم الشيخ عبد الحميد كشك الذي نكنّ له احتراما ومحبّة، لنستبدل تذزين المشهد الديني بتكشيكه. زعم المدلّس أنه :

“كنت ولا زلت لا أريد الخوض في هذا الحديث :” تكشيك الحقل الديني”، فلما وردت في بعض الجرائد، وشاع بين الناس والمشجعون منهم خاصة للدروس والخطب التي يلقيها العبد الضعيف أنني أقلد الشيخ كشك رحمه الله تعالى ، استخرت الله أن أرد بما يسر الله تعالى”.

ثم حاول أن يخلط رأيي برأي المعجبين به حتّى يجعل المسألة لها علاقة بوجهة نظر لا بتحليل علمي وواقعي لشخصية غارقة في التقليد والتمثيل. وبدل أن يسلّم للحقّ ولا تأخذه العزّة بالإثم ، بدأ يقسم مصدر هذا الوصف على احتمالات لا تحتمل. ليحاول في نهاية المطاف بعد أن مطّط ودوّخ القارئ بأنه سيجيب على احتمال ضعيف ومتحامل، وليس عن تقييم واضح لا يحتمل الجدل والتبرير. لذا يقول المدلّس:” وإن كان التشبيه قاصرا على رفع الصوت فقط فإنني أعلن…”. فهو يحتمل فقط ويختزل التقليد في رفع الصّوت. لذا بعد أن هيّأ القارئ لهذه المراوغة الماكرة رمى به إلى مشهد من مشاهد صباه، ليقول:” أما صوت المرتفع فكان قبل أن أسمع من عالم رباني أسمه عبد الحميد كشك رحمه الله ، لقد سمعت في صباي لمسلسل إذاعي بعنوان “سيف ذي يزن” اليمني ، فيه البطل المغوار الذي نذر حياته لجهاد الشرك و الظلم فقاتل لأجل ذلك ، وكان يجابه العدو أو الأعداء بتكبيرة تجلجل السماء تهتز لها عروش الجبابرة “.

بتدليس واستعطاف ، يرسم لنا بورتريه عن طبيعته البدوية وحياته الشخصية التي لا تعنينا هنا في شيء وعن حماريه قرقوش وفرقوش حيث يحمل عليهما القلل ويتوجه في الظلمة التي تسبق انبلاج الفجر فيتقمص وهو صغير ( في ستينيات القرن الماضي ) شخصية ذي يزن ، فيحمل عودا يتخذه سيفا ، والحمار فرسا ، فيصرخ في وجه أعداء وهمين يهددون الإسلام ، فيقاتلهم طوال الطريق المؤدي من المنزل إلى منبع الماء – مستشعرا دائما بالنهاية الحتمية للباطل ، و ظهور مستمر للحق متمثلا في قوله تعالى :” بل نقذف بالحق على الباطل فيدمغه فإذا هو زاهق ولكم الويل مما تصنعون””.
اعترف المدلّس أن طريقته تمثيلية ، وأنها حصيلة بروفات تدرّب عليها بين الكوخ والعين على حماريه قرقوش وفرقوش. ثم اختزل التقليد في رفع الصوت بينما نحن نتحدّث عن تقليد في النّمط الخطابي كلّه بما فيه خفض الصّوت. نعم نحن على يقين من أن صاحبنا لا يقلّد كشك في مسألة واحدة؛ هي ما يتعلّق بالأوصاف التي حدّثنا عنها من غزارة علم وصدق لهجة وإخلاص وما شابه.

يستغفلنا المدلّس مرة تلو الأخرى ليقول بأنكم لا تحسنون التقييم، فهو يقلد سيف بن ذي يزن لا عبد الحميد كشك. ومن هنا كان أحرى بكم أن تتحدّثوا عن ذيزنة الحقل الدّيني لا عن تكشيكه. لم يعترف صاحب سيف بن ذي يزن بتقليد نمطي لكشك، فراح يحدّثنا عن أن المسلم ليس إمّعة. ” ثم كيف يرضى المسلم أن يلغي شخصيته ويلحق نفسه قهرا بغيره يتشبه بالغراب الذي أراد تقليد مشية الحمامة ، فلا هو أتقن التقليد ولا هو أبقى على مشيته ، فظهر في صورة مثيرة للسخرية و الشفقة ، المسلم يأبى أن يكون قردا يحاكي حركات معلمه ، ولا ببغاء يردد ما يسمعه من غير فهم ولا وعي ..” ثم ” فطبيعتي إذن تأبى التصنع ، وخلقي يكره التزوير وديني يأبى الأنمياع والالحاق ، ولأن صادف الشبه مني لرجل صالح في واحدة من خصاله فقط حتى ولو كانت رفع الصوت فهذا يحدث منه الكثير في عالم الكائنات الفسيح ….. ولن يكون دليلا على التقليد الا عند ضعاف النفوس “.

وهكذا طاف على قصص الأنبياء والمرسلين واستعمل كل أساليب التّدويخ، لكي ينفي أنّه يقلّد عبد الحميد كشك ، ليس في رفع صوته بل حتى في خفض صوته، تقليد إمّعة ، لا أقول تقليد الغراب لمشية حمامة بل تقمّصا قرديا لا يبقي صغيرة ولا كبيرة مما يؤكّد أن جزء من البروفات التي تدرّب عليها صاحبنا على تقليد عبد الحميد كشك فاقت تلك التي اعترف لنا بها بخصوص سيف بن ذي يزن. على الأقل استطعنا أن ندفع صاحبنا للاعتراف بأنه طالما تدرّب على التمسرح بين الكوخ والعين وهو يمتطي حماره قرقوش أو فرقوش أو كليهما معا، ويتمثّل صوت سيف بن ذي يزن ويستمتع برجع الصّدى من ثقوب الجبال وربما اختلط صوت العفاريت برجع الصّدى. لكنّني أعتقد أن سيف بن ذي يزن اليمني لم يكن مسموما ونكدا وسوداوي الطّبع ومدلّسا وجبانا. بل إن صاحبنا حاول أن يوحي بأنه شامخ مثل الجبل لا يطأطئ رأسه. ولا أدري لمن يوجّه رسالته الغبيّة. وهل ترانا نخشى سيف بن ذي يزن أو أحدا إلاّ اللّه! مع أنّ رأيي أن صاحبنا يخشى كلّ شيء إلا الله. لكن كل من يفهم في دراسة الأنماط يدرك أنّنا أمام حالة فائقة من ” التشلهيب” والتّدليس والتّوحّش الصّوتي. التمسرح والصراخ والاعتداء والتملق والتدليس والدّجل كلها صفات فاضحة في هذا الأسلوب (الذّييزني)، لا يحتاج المرء أن يكتشف المنفضح لأنه معبر عن نفسه. الذين لا يخشون إلاّ الله، سيماهم في وجوههم وكلماتهم تخرج من قلب عارف مليء بالإيمان لا بالنرفزة وتستقبلها القلوب المؤمنة استقبال قطرات الندى. ولا زلت أنتظر جوابا من سيف بن ذي يزن المكشكش، جوابا فقهيا دقيقا: هل ذلك الإطار الذي أتلفه بتمسرح بليد، هل غرمه ما دام ذلك من أموال الوقف أم أنه فاته أنّه بإتلافه الوقف ارتكب مخالفتين شرعيتين:

ـ أنّ في ذمّته غرامة للوقف الذي أتلفه

ـ أنّه بجرأته على الوقف أضاع عدالته، فلا تقبل منه شهادة بعدها، وافتقد أهلية إمامة النّاس للصّلاة . ولو كان راويا لردّت روايته. لذا لن نقبل شهادته على نفسه لأنه مجروج.

أشار صاحب سيف بن ذي يزن مرّة بوقاحة إلى منبره واصفا إيّاه بمنبر رسول الله(ص)؛ صارخا: لنسمع ما يقول منبر رسول الله، ويقصد ما يقوله سيف بن ذي يزن الركادي. ورأيي فيه أنه صدقنا القول هذه المرّة. فقد ورد في تفسير الطبري والقرطبي وغيرهما عن سهل بن سعد عن سبب نزول قوله تعالى:( وما جعلنا الرؤيا التي أريناك إلاّ فتنة للنّاس والشّجرة الملعونة في القرآن ونخوفهم فما يزيدهم إلاّ طغيانا كبيرا) الاسراء ، 60

قال: رأى الرسول(ص) بني أمية ينزون على منبره نزو القردة فساءه ذلك ، فما استجمع ضاحكا حتى مات. فنزلت الآية المذكورة.

أقول: ومن شاء أن يعرف كيف تلوّى بنو أميّة فوق منبر رسول الله(ص) تدليسا واعتداء وصراخا وتمثيلا ، فلينظر إلى أحدهم ينزو فوق منبر مسجد الكوثر!

ملحق نصّ الفقرة الواردة في مجلة وجهة نظر

الظاهرة النهارية وتكشيك الحقل الديني

من مظاهر الانحطاط الذي ميّز المشهد الدعوي والعلمائي في سياق اختراق التيار المتشدد للأنشطة الدينية المحلية ، ما بات يعرف اليوم بظاهرة نهاري ، خطيب الجمعة بمسجد الكوثر بمدينة وجدة. ونظرا لأسلوبه شديد التميّز بحديته وانفعاليته احتلّ موقعا كبيرا ضمن رموز اليوتوب الأكثر مدعاة للسخرية. يعتبر نهاري وهو متصرف بغرفة الصناعة التقليدية بمدينة وجدة وموجز في الاقتصاد، من الوعاظ و الناشطين في المجلس المحلي بالمدينة فضلا عن توليه خطبة الجمعة بالمسجد المذكور. ما يميز هذا الداعية هو أداءه التمثيلي واستعماله لغة فصحى بنكهة مصرية. فهو يتقمص طريقة الخطيب المصري الراحل عبد الحميد كشك تقليدا تاما لا يخلو من تبلّد. أشهر مقاطع الفيديو التي تنتشر عبر اليوتوب ، هي حينما ظهر في إحدى خطب الجمعة وهو يتحدث بانفعال عن مظاهر الفساد والانحراف ، دون التوقّف عن دقّ المنبر بعصاه داعيا على المسؤولين في الدولة بأن يجمد الله الدم في عروقهم حتى يتمنّوا الموت ثمّ لا يجدونه . ثم يلتفت إلى إطار معلق خلف المنبر فيرفع يديه بالدعاء ، وقد نجح في إثارة انفعالات الناس . ووسط التكبير والاحتجاج ، يمسك بالإطار ويشرع في تكسيره بجنون ويدخل في نوبة هسترية ـ مع أنه لا يجوز إتلاف الوقف ـ . استعمالي للهسترة هنا بمدلولها التحليل ـ نفسي. فالمراقبة الدقيقة لحركة نهاري تؤكد أننا أمام ضرب من الهسترة ، حيث من مظاهرها أن الشخص المهستر لا يرمي بنفسه في التهلكة ، بل يختار حتى المكان الذي يسقط فيه وعادة ما يكون ضرره خفيفا. وقد وضع نهاري عصاه على الجدران بعناية كبيرة لكي لا تقع على أحد من الحاضرين، حينما استدار ليخفي حركته المسرحية تلك عن جمهور المشاهدين. ثم رفع يده بالدعاء لمزيد من التلبيس على المشاهد ـ عملية عادة ما يقوم بها رواد سحر الخفة ـ وحينما يضمن استقرار الوضع يمسك بالإطار ليكسره. لم تحدث أضرار جانبية. وفي توقيت دقيق يعيد الأمور إلى مجاريها ويجبر الكسر بالدعاة لأمير المؤمنين. نهاري لا يفقد وعيه ـ مهما بدت طريقته تهريجية ـ وإنما هو ممارس لشكل جديد من التمسرح الخطابي قوامه لفت الأنظار بالصراخ والتأثير بواسطة عنف الخطاب وهستيريا التبليغ. وهو نموذج متقادم في الدعوة والتبليغ لم يعد يغر سوى شريحة الأطفال والأميين ـ وهم المتلقي الذي يمارس عليه هذا اللون من الديماغوجية الدينية ـ ، لكنه الأسلوب نفسه الذي يستعاد مع نهاري ويبلغ ذروته. هكذا بمجرد أن أوقف نوبته الأخيرة حتى رفع يديه يدعوا لأمير المؤمنين كما لو أن شيئا لم يحدث. وهو شكل من التملّق الذي بات يحترفه هذا الشكل من الدعاة والخطباء تقية. والملفت أنه في بعض الأشرطة المنتشرة يتصدّى للرد على الصحافة على أنه ليس كما يقال عنه تكفيري أو متشدد بل هو معروف بوسطيته وموقفه ضد التكفير والتطرف. لقد أصبحت الوسطية أيديولوجيا غامضة ، لذا عادة ما تمسّك بها هذا الصنف من “الدعاة” . الوسطية كمفهوم لا يفهمه إلاّ هم ، فيما تؤكد الممارسة على أننا أمام منتهى التطرف والتكفير. فأي متابع لمشاهد خطبة الجمعة النهارية يتساءل بعد ذلك: إن لم يكن هذا النموذج هو ذروة التطرف والتخلف فأي معنى يظل لهما يا ترى؟! بل بعد هذا يمكننا رصد دورة الانحطاط من زمن النبوغ المغربي إلى اليوم ، من علال الفاسي والناصري والمختار السوسي إلى مثال نهاري ، سنقف على سعة الهوة وخطورة الانحطاط. لقد اضمحلت الفكرة النهضوية ولم تعد تشكل شاغلا رئيسا في اهتمام علماء اليوم. فالرسميون أو علماء الدولة المنخرطون في أسلاك وظيفتها ، غرقوا في تقليدانيتهم وافتقدوا الثقافة والمبادرة. بينما ساهم فقيه الصحوة في نومة السؤال الحضاري واكتفى بالديماغوجية والتشغيب. فالمغرب اليوم يواجه مأزقا له صلة بشيوع الانتهازية الروحية التي جعلت الكثير من علماء المغرب يفضلون العزلة حفاظا على كبريائهم كما فتح الباب على مصراعيه أمام أكثر صور الانتهازية في اقتحام المؤسسات المعنية بالشأن الديني.

وفي انتظار وجود علماء جادين يملكون رؤية إصلاحية وحسا مسؤولا في تقدير مسؤولياتهم وفهم أدوارهم وتعقد مهامهم، سيظل المغرب يواجه ثلاثة أنماط من العلماء:علماء فضلوا الانزواء والعزوف والزهد أو علماء غير منضبطين يتحركون خارج ما تقبله الأعراف أو علماء متملقين وانتهازيين لا يحملون رؤية إصلاحية حقيقية. تلك هي وضعية علماء المغرب ؛ حيث بقدر ما تنقلنا الذاكرة إلى زمن النبوغ المغربي ونماذج من طراز الحجوي والكتاني والمختار السوسي يصدمنا الواقع بنماذج مثيرة للجدل أبطالها اليوم نظائر الزمزمي و نهاري وما شابه ؛ نحن حقّا أمام حكاية انحطاط دراماتيكي من شأنه أن يضرّ بالعقل وبالسياسة والدين معا.

hani_dayman@yahoo.fr