مقالات متنوعة

في نقد المزايدة بالمذهب المالكي ..الإسلام حاكم على المذاهب وليس العكس

إدريس هاني

“لا شك أن الآراء المطلقة المتوارثة، تجعل تفهم الشعوب بعضها بعضا

أمرا عسيرا، كما تجعل احتقار بعضها البعض الآخر أمرا هينا يسيرا ”

رومان رولاند

التمذهب في حدود العقل

لكي يتم تدريب العقل المسلم على التدين في حدود العقل، وجب تدريبه أولا وقبل كل شيء على التمذهب في حدود العقل. بل لا سبيل إلى تدريبه على القبول بالمخالف البعيد إذا لم نمكنه من ثقافة القبول بالمخالف القريب. وأمام هذه المفارقة، لنتصور كيف ستضحك علينا الأمم حينما نركل بعضنا البعض ثم نقفز إلى مراسم حوار الأديان بالأحرى القفز إلى حوار الثقافات، بعد أن لم نحسن الحوار بين مذاهب المسلمين. وننخرط في الابتسامات الباردة مع الآخر فيما اللاوعي الثقافي يحتفظ بنزعات استئصالية مظلمة ؛ نفاق حضاري وثقافي وليس حوارا بينهما. وستدفع الأمم الثمن باهضا إن هي كرست ومكّنت لهذه الثقافة التي لا تحسن غير لعن المختلف والتجديف ضد ما يعتقد به. وحتما ستغرق يوما ما حينما تصبح الغلبة لتيارات الاستئصال التي يزعجها العيش المشترك في مجتمعات قد تتنوع أفكارها وتختلف آراؤها ، لكنها تبدو كحديقة غناء فيها من الألوان ما يؤثث جمالية المكان ويرخي بظلاله الوارفة على النفوس ، فتأنس وتسعد ولا تشقى. لأن رب العالمين خلقنا للاختلاف وجعل ضامن عدمه المعصوم. وحيث لا وجود للمعصوم بين ظهرانينا فمن يضمن أن رأيك هو الأصح. فالتسامح حتمية تفرضها عقيدة العصمة فافهم. وتبدأ الآفة من سعينا إلى التعريف بالآخر حسب أهوائنا وحساباتنا وانتقاءاتنا. فنحن من يريد التعريف به وليس نحن من وجب الإنصات إليه وهو يعرف نفسه ويلزمها بجملة الاعتقادات. في موضوع الشيعة لا يقف الأمر عند مشكلة سعي خصوم الشيعة إلى التعريف بهم بصورة تحضر فيها كل هواجس التشويه والاستئصال فحسب، بل إن المشكلة تكمن أيضا في أننا سنرفض كل حديث من الشيعي عن نفسه أو عن الآخر ، لتثبيتنا صورة خرافية مفادها أن الشيعة لا يصدقون ويخادعون. هنا وجب القول أن الخداع والكذب لم يعد ظاهرة نفسية فردية ، بل وجب اعتبارها جزءا من سوسيولوجيا الكذب الشيعي. قدر خصوم الشيعة أن يكونوا خرافيين، لأنهم يعتقدون أن المجتمع الشيعي بما هو من جنس المجتمعات البشرية لا يمكن أن يصدق. وإذن كيف ينشئون وكيف يحاربون وكيف يتزاوجون وكيف يلتقون مع كل الأمم والشعوب من دون مشكلة إلا أن يلتقوا مع حفنة من التكفيريين ، أقامت دينها على رفض إسلام الناس وإقامة محاكم تفتيش وإصدار الأحكام على الضمائر، يصبحون غرائبيين.. لو قلت هذا الكلام وحكمت به أما اليابان والصين والهند وأوربا وأفريقيا، لعجبوا من أمر هذه الأحكام الساذجة والكريهة. . وقد بات واضحا أن الذي يمعن في تكفير الشيعة لم يتورع في تاريخه أن يكفر أهل السنة والجماعة والأئمة الأربعة أنفسهم.

وعليه، لا إشكال عندي في أن تتبنى أمة ما مذهبا فقهيا ترتضيه من بين المذاهب الأخرى. وقد كان مذهب مالك رحمه الله من بين أبرز المذاهب الإسلامية سواء الرباعي المتبقي منها أو العشرات التي انقرضت ولم تجد لها فرصة تاريخية للرسوخ ولا سلطانا يتبناها ويفرضها بقوة السياسة على الأمة. وأحسب أن الأمر هنا لا يحتاج إلى كثير بيان. لكن ما ليس معقولا في ثقافتنا المعاصرة هو أن يحصل سوء فهم في موضوع الوحدة المذهبية للمجتمعات وكيف تدبر ضمن منظومة قيمية تجعل الإنسان حرا في تبني ما شاء في حدود الاعتقاد. والخطورة هنا تكمن في جملة الطفيليات التي تستغل مثل هذه المواقف لاختراق الحقل الديني والمناورة من داخله لتصفية حسابات وخصومات شخصية مع المختلفين. وقد ذهل هؤلاء بأن المطلوب في مسألة الوحدة المذهبية إنما قصاراه أن تتسلط المذهبية على المؤسسات وليس على الضمائر. غير أن هذه الطفيليات تحاول أن تسوق رهابا خاطئا ضد الآخر بدعوى أنه يمارس التبشير والدعوة ، فقط لتخفي غريزتها القمعية التي تفوق ما كان من أمر دواوين التفتيش. ولا يخفى أن هناك مبالغة في تقدير التمذهب في عموم العالم الإسلامي ، مكنت للطفيليين أن يستغلوه ويسيئوا للمؤسسات والدولة نفسها قبل أن يسيئوا إلى أنفسهم. ولقد أدركنا من مباني العقلاء و مركوز سيرتهم، القصد في القول والمقصود في الحكم. والقصد من كلامنا واضح لا يتعذر فهم منطوقه وبلوغ مفهومه إلاّ على مكابر معاند. والمقصود من أحكامنا هو أكبر وأجل من مماحكات تنتمي روحا وأسلوبا إلى ثقافة القرون الوسطى ذات المنزع التغالبي. ولكن مقصودنا ليس تغليب هذا المعنى على ذاك. ولا حتى محاولة نصر مذهب على آخر، بقدر ما كان مقصودنا هو تدريب العقل المسلم على تفهم الآخر المختلف وعدم الإسراف في الخصومة بين المذاهب . لا سيما إذا كانت مذاهب تقوم على أدلة وحجج وليس على مجرد الأهواء. فانقش قدميك وانزع ما فيها من أشواك الطريق . واستأنف أسعدك الله مسيرة العقلاء في ممشى مختلف سأدلّله لك و أفرشه بالحرير. لقد كان هدفي دائما هو أن أخرج التشيّع من دائرة اهتمام كتاب الملل والنحل إلى دائرة اهتمام الفقه بشقيه الأكبر والأصغر ، لنعتبره مذهبا مختلفا داخل السنة لا خارجها. ومذهبا يقوم على الدليل لا الهوى. وما عدا ذلك مما يسكن نوايا الخصوم فلسنا في وارده وليس صناعة لنا. لقد روضنا النفس ودربنا العقل على تجاوز ما تورم به خيال خصوم لا نراهم خصوما لأننا لا نحمل كراهية لأحد. بل لأننا لا نحسن ذلك المستوى الرفيع من الكراهية والإصرار عليها على طول الطريق. المقصود أن نخرج الفكر الإسلامي من لعنة تغالبه التاريخي الباتولوجي إلى فضاء التحقيق الشجاع. ومن بنيات الأفكار إلى حقائق الدليل . إن فهم التاريخ وتعقيل استشكالاتنا عليه وطلب التواصل والتفاهم لا يتم دون حدّ أدنى من الفهم والتفهيم. قد يكون هناك من يرى في نفسه النباهة ليحكم على تراث كبير يتقاسم معنا التراث والعلم الإسلامية والتاريخ ، بأحكام قيمة يكفي أن ينبري لها غير متخصص في منابر غير متخصصة وذات طابع تشهيري واستئصالي. وأقول لا شيء هو اليوم قابل للاستئصال، لأن المطلوب هو كيف تقدم أنت نفسك للعالم دون أن تضطر إلى هذه الهلوسة الطائفية التي لا تشرف من يدعو إلى فهم التاريخ والحاضر والمستقبل في حدود العقل. وحيث بات واضحا أن الأفكار متى تدرعت بالحجج والأدلة العقلية باتت في حكم الأفكار المعقولة على الأقل وليست بالضرورة العقلية ، فإن البشرية في منتهى نضجها المعاصر مكنّت الإنسان من القدرة على امتلاك واحدة من أهم ثوابت الاجتماع المتحضر المفتوح : ألا وهو الموقف العقلاني من الآخر بغض النظر عن تفاصيل اختياراته الفكرية. ورسالة الإصلاح تقتضي منّا ارتفاعا بالسؤال وسموا بالاستشكال وعقلانية في معالجة الاختلاف وتدبيره بصورة تحوله إلى رافد وطاقة منتجة وإيجابية بنّاءة. إننا نعتقد أن هناك الكثير من مظاهر الانحطاط في تفكير المسلمين كما أن هناك الكثير من مظاهر الفساد في معاشهم. يستوي في هذا النصيب الشيعة والسنة. ففي المجتمعات الشيعية كما في المجتمعات السنية هناك حركات إصلاح وتجديد تلامس معضلات المجتمع كما تجتهد في طريق فهم أكثر تجددا وفاعلية للفكر الإسلامي. ونحن ندرك ما تعانيه المجتمعات الشيعة كما ندرك من المعضلات التي تواجه الفكر الشيعي بوصفه فكرا مجتهدا يعترف بالإصلاح. غير أن المناخ الفاسد في العالم الإسلامي لم يؤهل العقل الإسلامي لاستيعاب أزمته وامتلاك الأسئلة الحقيقة في زحمة أسئلة تبسيطية قد يفرضها عليك الواقع الارتكاسي ويفرضها عليك هذا الغلب القاهر الذي يدفعك إلى أن تعالج الأمور وفق مقاييس دنيا. هناك من مظاهر الانحطاط في العالم الاسلامي ما لا علاقة لها بخصوص المذهبين السني أو الشيعي . بل هي مظاهر تتصل بنمط من التفكير وشكل من أشكال التعقيل المتخلف لموضوعاته. إن هذا النمط من التفكير يفعل فعله في المذهبين بصورة وإن اختلفت بعض الشيء ، لكنها تنتج ضربا من الحصر الذي لا تقوم معه المذاهب إذا ما استمرت في إنتاج خطابها وفق معجم صناعي ينتمي إلى ثقافة القرون الوسطى. لأننا ندرك أن كل أشكال المواضعات وتصنيع المفاهيم كلاما وفقها وفلسفة لم يخل من وازع الغلب والقهر وإرادة التخلص من الآخر. إنها بتعبير واضح لغة ذات مضمون طائفي شئنا أم أبينا. والدعوة قائمة اليوم إلى اختراق المعجم اللغوي والصناعي الإسلامي بمفاهيم حديثة تنزع عنه لوابسه ومتخيله لصالح تجربة جديدة في الاستلهام ومستوى أعمق من الاستيعاب ومهارة أكبر في تحليل الخطاب. في تصوري أن هذه مهمة لم نصل إليها بعد. وفي انتظار تحققها لا بد من القبول بما يفرضه المناخ السلبي والساذج ، الذي لا زال على حالة من التعاطي المهستر مع المسألة الشيعية. وأعني بذلك حينما تحدث انزلاقات ويصبح التجديف يطال معتقدات تنتمي للفكر الإسلامي وتراثه ، وإلى أفكار تدين بها شعوب وأمم لا علم لها بالسياسة والحرب. ولذا ليس المقصود تشييع الناس بقدر تقديم ما يدعم الفهم الصحيح عن الآخر في حدود العقل حتى لا نشقى في سلوكنا ونتراجع في قيم التواصل والحوار واحترام الآخر. على الأقل لا يكون الأمر على ما قال الشاعر:

لو كنت تعلم ما أقول عذرتني أو كنت أجهل ما أقول عذلتكا

لكن جهلت مقالتي فعذلتني وعلمت أنك جاهل فعذرتكا

كيف نفهم الآخر وإن كنا نراه خصما.. وفي أي الحدود يجب أن تبلغ خصومتنا للآخر.. وهل من حقنا إن لم أقل في إمكاننا أن ننتقي في فلسفة تواصلنا حينما نميز بين آخر وآخر.. وكيف نقمع سلطان الكراهية الكبير وكبحه بعقلانية لا تستفزها غواية القرون الوسطى.. كيف نكبر بعقلنا الإسلامي لنحتوي ما عجز القدامى عن حلّه؟؟ ولأننا للأسف لا زلنا نسلك الطريق نفسه الخاطئ حينما نعتقد أن الحلّ في أن يسنن الشيعي أو يتشيع السنّي ـ وهو مطلوب لم يعد من حقّ أحد في عصر أميز ما فيه تحرر الضمير من السيطرة والتفتيش ـ لأن الحلّ بسيط جدّا وفي عالمنا نظائر منه حللناها . إنه تدريب النفس والعقل على القبول بالخلاف في عالم ليس فقط احتوى الخلاف بل أصبح يراهن على الخلاف ويحوله إلى قوة. ليس المطلوب أن أجعل الآخر يفكر مثلي ، بل المطلوب أن أغير نظرته عني وأغير تفكيره تجاهي وعند الاقتضاء محاولة البحث عن المشترك معه وجعله هو الحاكم في العلاقة التواصلية وقاعدة التفاهم وليس تضخيم الخلاف إلى درجة الهجّاس. لقد كنت دائما أدعوا المختلفين إلى أن يحتكوا جسديا في المكان وليس يحتكوا كلاميا في الوجود الكتبي. لأن الاحتكاك الجسدي والتواصل الشفاف والتعايش والمواطنة وقيم الاجتماع المعاصر وحدها تجعل الكل يضرب حسابا للآخر و يحترم قناعاته. ولا طريق لذلك إلا باحترام مقدساته. إن البعاد والانزواء يجعل كل طرف في حلّ من أمره ولا يشغل ذمته بمسؤوليات تجاه الآخر. لذا رأينا كيف أن كل خطوط الصدع في تراثنا هي منتج لتاريخ من الانزواء والانغلاق الطائفي وعدم الاحتكاك الجسدي في المكان. واليوم حيث بات مفروضا هذا النوع من الاحتكاك على الأرض، رأينا كيف نما الوعي التواصلي وتراجع خطاب التجديف. وهذا تقدم يجب تقديره . لذا لا زلنا نرى تجار الطائفية يراهنون على بقاء المناخ الفاسد فيمعنون في تيئيس المسلمين من تجاوز هذه المعضلة ويهمهم أن تستمر السلبية والانغلاق وسيادة التجهيل وتضخم الخلاف ، وهي عناصر ضرورية لإذكاء الهسترة الطائفية. ولا يضيرني أن يسلك الناس المذاهب التي ارتضوها لأنفسهم بأي وسيلة اتفق، إذ لا أحد نازعك في أن تكون أشعري الاعتقاد مالكي الفقه جنيدي السوك ، وأتمنى لو يضاف إليها حسّاني الشعر، لقول الشاعر:

مذهبي تقبيل خد مذهب ** سيدي ماذا ترى في مذهبي

لا تخالف مالكا في رأيه ** فبه يأخذ أهل المغرب

………………..**……………….

وما أنا إلاّ عالم كل عالم ** ففي الشعر حسان وفي الفقه مالك.

وإذا كان حظ العوام من العلم أن يكونوا مقلدين وتلك هي وظيفتهم الشرعية على الأقل في مسائل الفروع. فإن حظ المجتهدين أوسع بابا ونصيبهم أرقى مقاما. فهم كل المذاهب وفوقها ومعها ودونها. هل سمعت الزمخشري المعتزلي يقول:

إذا سألوا عن مذهبي لم أبح به وأكتمه ، كتمانه لي أسلم

فإن حنفيّا قلت ، قالوا بأنه يبيح الطّلا وهو الشراب المحرم

وإن مالكيا قلت قالوا بأنني أبيح أكل الكلاب وهم هم

وإن شافعيا قلت قالوا بأنني أبيح نكاح البنت والبنت تحرم

وإن حنبليا قلت قالوا بأنني ثقيل حلوليّ بغيض مجسّم

الإمام مالك رحمه الله بين تهوين الخصوم وتهويل الأتباع

وحيث كثر الكلام وأكثر أهله عن أن المذهب المالكي إنما تكرس بالاختيار وأن ما كان من أثر الشيعة بالمغرب تمّ طيّ صفحته بقناعة لا يد فيها للبطش والغلب، كان لا بد أن أبدي ملاحظة لأولئك الذين متى أرادوا أن يدافعوا عن أنفسهم جعلوا من الرأي الآخر شذوذا ومطية لاستغبائنا و”تسطيل” عقولنا ، في انتظار أن يرفعوا سقف الحجاج إلى مستوى نلمس فيه الجدّة لا التقليد والترديد. إنني أتفهّم لمغربنا العزيز أن يظل مالكيا بالجملة حتى يرضى وما ذلك على الله بعزيز. وحرصي على مالكيته ينطلق من تقديري لمصلحة الأمة ولأهمية الرأي المالكي نفسه وليس ممالأة كما يفعل الطماعون الذين يشهد تاريخهم على تقلبهم وخداعهم وخيانتهم لآرائهم. غير أنني لا أتمنى له الإرتكاس إلى ما لا تحتمله إلاّ ثقافة القرون الوسطى الدينية والسياسية، حيث مظهر من مظاهرها التحكم بضمائر الخلق واضطهاد المختلف ومحاولة تجميل الذّات بتبشيع الآخر.

أجل ، كنت ولا زلت أعتقد أن لا وجود لمستند حقيقي للحجاج السني ـ الشيعي إلاّ بوقوف الاثنين معا على جوهر دعوتهما خارج هذا الحشيّ من اللّجاج وتمسكا بناصية الاقتصاد في الخلاف. فالغلب في الحجاج ليس من سنخ الغلب في السياسة. وكما بيّن الإمام علي بن أبي طالب(ع): “واعلموا أن الظفر لمن احتجّ لا لمن لجّ”. وهذا لا يتأتّى إلاّ بأن يستثير الشيعي شيعية السني ويستثير السني سنية الشيعي ليتواسطا. فالوسطية لا تقوم إلاّ بجدل وتلاقي وتواصل المختلفين وليس بالتنافر والاصطفائية والانزواء. فالمحاكمة على هذا الأساس تكون ناجعة. وحتى ندرك سر هذا التوافق بين ما كان من أمر مالك بن أنس والعلويين، لا بد أن ننطلق من تصور أكثر نقاء وأبعد عن موجبات الغلب ولسان التحيز. إن مالك لم يكن له مذهب ولم يكن مفهوم المذهبية عندنا هو نفسه عند المتقدمين. ربما وجب القول أن التحيزات المذهبية اليوم بهذه الصورة المرضية هي كبرى البدع في تاريخ الإسلام. ولم تكن المذاهب محروسة ولا المائز بين رأي لهذا أوذاك في الفروع أو الأصول مما يفسد للود قضية. لم يكن الإمام مالك ممن بايع يحيى وممن صاحبه عبد الله الكامل أبا إدريس، وممن تلقى عناء شديدا لقاء موقفه مع العلويين فحسب ، بل إن لمالك مودة تجاه الإمام الصادق تحمل عدة دلالات. فالإمام جعفر الصادق هو أولا وقبل كل شيء شيخ لمالك. يقول مالك رحمه الله :” كنت أرى جعفر بن محمد . وكان كثير الدعابة والتبسم. فإذا ذكر عنده النبي اخضر واصفر. ولقد اختلفت إليه زمانا فما كنت أراه إلا على ثلاثة خصال: إما مصليا وإما قائما وإما يقرأ القرآن. وما رأيته يتحدث عن رسول الله إلا على الطهارة. ولا يتكلم فيما لا يعينه. وكان من العلماء والعباد والزهاد الذين يخشون الله . وما رأيته قط إلا ويخرج وسادة من تحته ويجعلها تحتي”(1).

وقد ميّز الإمام الصادق بين مالك وأبي حنيفة في التقدير العلمي. وهو أمر يمكن استلهامه في السيرة العملية للإمام الصادق. فبينما نجد الصادق يدخل في نقاش وحجاج مع أبي حنيفة انتهى بإفحام هذا الأخير قبل أن يغلظ عليه في النّصح ، نجده يقر بعض أصحابه للاختلاف إلى مجلس الإمام مالك . فقد روى عنوان البصري أنه اختلف إلى الإمام جعفر يتعلم عليه فغاب الإمام عن المدينة فاختلف إلى مالك سنتين ثم عاد الصادق فعاد عنوان إلى مجلسه. فنصحه أن يجلس إلى مالك(2)..وهناك من يروي حكاية وصية الإمام الصادق بمالك والأخذ عنه ، لست واثقا من صحتها، لأن الإمام الصادق أوصى بابنه موسى الكاظم. ولعلّ ذلك ما يفسر المشتركات الفقهية الكثيرة ما بين المذهب الجعفري والمذهب المالكي ، بصورة ملفتة للنّظر ، وهو بحث أتمنّى لو أوّفق لإنجازه كما أتمنّى لو يبادر إليه غيري من الباحثين والفقهاء من المغرب أو المشرق.

قلت لعل تلك هي السنتين من مكثه بالعراق حيث ذاع صيت أبي حنيفة النعمان. فبعد المقارعة الحجاجية التي خاضها معه الإمام الصادق ، كان أبو حنيفة ممن أعاد تكوينة على يد الإمام الصادق ، ولذلك يقول: ” لولا السنتان لهلك النعمان”. فكان الصادق معلم الأئمة والفقهاء: مالك في المدينة حتى قيل بعدها لا يفتى ومالك في المدينة. وأبي حنيفة بالعراق. وعليه ، فإن مكانة مالك بالمدينة لا تعلو على الصادق، بل لا يقاس بالإمام الصادق فيمن عاصره أحد. فمالك الذي لا يفتى وهو في المدينة لا يقوى على الحديث في حضرة الامام . وهذا الموقف المتسامح مع المذهب المالكي في المغرب كان هو ديدن الفاطميين. فهم لم يكونوا متشددين حيال المذاهب الإسلامية. وكان بالإمكان أن ينسجم أي مذهب من المذاهب الأربعة مع الدعوة العلوية، فمثله حصل في العراق وطبرستان ومصر وغيرها من البلاد. فمالك وأبو حنيفة من تلامذة الإمام الصادق كما أن مالك شيخا للشافعي وكان الشافعي شيخا لابن حنبل. وعليه ، فإذا كان حظ المذهب المالكي أن ينتشر في بلاد المغرب وتم بذلك القضاء على بعض مظاهر المذهب الحنفي، فذلك لنكتة لها علاقة بالعمران وليس لها علاقة بالاختيار. وحينما ارتضى المغاربة تجوزا ـ بفعل الظروف التاريخية وتناسب البيئة المغربية حينئذ مع ظروف الحجاز ـ مذهب مالك بن أنس ، ارتضى العلويون ذلك أيضا كما ارتضوا الحنفية والشافعية في المجال المشرقي الذي غلبت عليه. فإدريس الذي لم يمانع من دخول المذهب المالكي إلى المغرب، يقف الموقف المنفتح والمستوعب لأخيه يحيى في دولة العلويين بطبرستان التي لم تعرف المذهب المالكي. ولو كان المذهب المالكي يعتبر مذهبا رسميا لهؤلاء إذن لكان دعا إليه يحيى بطبرستان ـ مازندران اليوم ـ وقد ملك سلطانها، فضلا عن أنه كان على علاقة بمالك بن أنس كما سبق ذكره. فالمذهبية بهذا المعنى لم تكن في أولوية العلويين الذين ارتضوا للأمة أن تختار لنفسها المذاهب التي تراها مناسبة ، لكنهم احتفظوا بمركز الشهادة على الأمة، فالمهم أن تترسخ تعاليم وعقيدة الولاء لأئمة أهل البيت ، فهذا هو ضامن التعايش بين مختلف المذاهب ، حيث لا يزعم آحادها أنه ممن اختار سبيل نصب العداء للبيت العلوي إلا ما شذّ وكان خارج كافة إجماعات الأمة. وقد حدث ذلك لسببين: أحدهما الانفتاح على المذاهب الإسلامية والتسامح معها كما دلّت عليه سيرتهم على الرّغم مما قيل ويقال عنهم خلافا لواقعهم التاريخي. والآخر، راجع إلى أن المذاهب التي نتحدث عنها لم تكن محروسة بهذا الكيف المستعصم ضد خرم المجتهدين لممانعتها والحائل دون مكنة الذهاب والإياب بين أنواعها. فمالك بن أنس ومذهبه في زمن إدريس بن عبد الله هو سابق على ابن حنبل الذي يتوسطهما بواسطة الشافعي. حيث لم يتأصل بعد مذهب السنة في الاعتقاد بقيام الأشعري صاحب الإبانة ومذاهب الإسلاميين ، وهو المتولد من بقايا الاعتزال وبقايا أهل الحديث. وكذلك لم تتأصل المذاهب في الفروع حدّ الاستعصام المذكور لا سيما بعد أن زاد الطينة بلة قرار غلق باب الاجتهاد. فالاختلاف إلى حلقات العلماء من مختلف المذاهب هو مما جرت به العادة في شتى بقاع الشرق الإسلامي لا سيما بغداد. ومن المغاربة الذين اختيروا من قبل العلويين دعاة أو قضاة على المذهب المذكور كانوا ممن استمع مباشرة إلى مالك بن أنس بلا واسطة. فهم سابقون على عهد تأصيل الأصول والفروع برسم المذهب، بل سابقون على زمن انتظام مذهب السنة والجماعة حيث بدؤه السياسي المغلوط مع معاوية بعد تغلبه على الهاشميين ، وبدؤه الكلامي والعقائدي الأصيل مع خروج صاحب الإبانة الأشعري من ربقة الاعتزال والتواسط في مذهبه التوفيقي بين أهل الاعتزال العقليين وأهل الحديث النقليين، ولا التشيع الذي لم تنتظم بعد مدرسته في الأصول والفروع ، لأن اللحظة التي تحدثنا عنها لم يكن قد اكتمل فيها نصاب الأئمة الإثني عشر. وهذا ليس غريبا ، فعصور تأصيل الأصول وتدوين العلوم تسبب قطيعة مع عصر النزول الأول . فعصور المتأخرين أكثر انتظاما وتسلطا على المعارف من عصور المتقدمين. ثم لا ننسى أن ثمة من سعى لافتعال خصومة بين التشيع وأئمة المذاهب الأربعة وهو بخلاف ما جرت به مجريات الأمور. فأئمة المذاهب الأربعة وغيرهم تتلمذوا على أئمة الشيعة بامتياز. وقد احتفظوا لهم بالتوقير وقدموا لهم من الاحترام والتبجيل والتعظيم ما لا يخفى. نعم قد صادفنا أن بعض القضاة في مذاهب مختلفة أعملوا سيف القضاء الجائر في حق كثير من رموز أهل البيت وشيعتهم، كما ينقل عن قاضي دمشق المدعو ابن جماعة الذي حرّض والي الشام بيدمر على قتل شمس الدين محمد بن مكي العاملي المعروف بالشهيد الأول . قتل وصلب وحرق بفتوى من برهان الدين المالكي وعباد بن جماعة الشافعي(3).

أمام هذا المشهد الإرهابي القاتم ، وجب القول أن ذلك لا ينسب إلى شافعية برهان الدين ولا إلى مالكية ابن جماعة الذي كان زميلا للشّهيد الثاني في الدراسة ، وحيث كان يرجع إليه علماء المذاهب الخمسة ويفتي كلاّ منهم وفق مذهبه مما أثار حسد ابن جماعة ضد الشهيد الأول ، كما هو مذكور مفصلا في سيرة الشهيد الأول(4).

قلت إن المالكية معنية بالفروع وهي ليست بالغة الانتشار بالمعنى الدقيق ، نظرا لانحسار التشرع ومحدوديته في ربوع المغارب. فالإسلام هنا عقدي أكثر مما هو تشرّعي. والعقدي منه لا يتأطر بمذهب محدد. فما يدين به الإسلام الشعبي المغربي للتشيع يفوق كل تصور وخيال. ففي اعتقادي أن سبب انهيار دولة الموحدين على الرغم من عظمتها ، راجع إلى السياسة الدينية القمعية التي سعت إلى إكراه الأهالي على ضرب من امتثال الفروع شديد.

ثمة تخريف لا يرقى إلى مقام التحقيق والفقه، حينما يقال أن المغاربة اختاروا مذهبهم بعد أن وجدوه منفتحا. وهذا لم يحصل في كل العالم الاسلامي. فالمذاهب بما فيها الشيعية ، إنما فرضت رسميا بقوة السلطان. ما عدا ما كان من أمر الجماعات التي ظلت على هامش الدول. وفي إيران كان هناك تشيع قبل الصفويين ، لكن تعميمه بعد ذلك كان سلطانيا لا اختيارا. وهنا ترتكب مغالطتين: الأولى، أن المغاربة “اختاروا” وهذا أمر مضحك، حيث المجتمعات لم تختار شيئا في تاريخنا. وفي كل تاريخنا السياسي هناك لحظة شوروية إجماعية واحدة لم يعمل فيها غلب ولا مناورة: حينما بويع علي بن أبي طالب بالخلافة وهو لها رافض يدعوهم: التمسوا غيري فأنا لكم وزير خير لكم مني أمير.. رفضها وجاءته تحبو، لم يوص به خليفة من قبله كما كان حال الوصية فيما يعرف بالعهد الراشدي، ولا فيما بعد كما هو حال التغلب الأموي والعباسي.. كما أن آراء أهل البيت وحدها انتشرت بالمحبة والإقناع والاختيار حيث قتّل أتباعهم وأرهبوا ومع ذلك تمسكوا بتعاليمهم. وقد كان الإمام الصّادق مؤسس مذهبهم يقول: ” لو عرف الناس معارض كلامنا لاتّبعونا” . ومذهب مالك رحمه الله ليس في العقائد بل هو في الفروع. وعليه، فإن المغالطة الثانية هنا تستدعي السّؤال التالي: متى علم الناس مختلف الآراء الفقهية حتى يرجحوا رأي مالك؟ كيف وقد قيل: أنّ “أعلم الناس أعرفهم باختلاف الناس”. فهل كان المغاربة أعلم الناس؟

ورأي مالك في مبتدئه محدود جدا طوّره اللاّحقون وصنعوا من آراء مالك مذهبا. ولو اطلع مالك على مباني المالكية اليوم لخالفهم في كثيرها، هذا إن أمكنه فهم آراء المتأخرين منها. وهذا حال كل المذاهب التي انتظمت مثل المذاهب الأربعة السنية أو ضف إليها ما شئت من مذاهب أخرى بما في ذلك المذهب الجعفري الأكثر اعترافا بهذه الحقيقة ، لذلك أطلق العنان لحصان الاجتهاد ولم يعد يجد عقدة إزاء فقه الأقدمين. ففي البدء قالوا إن سبب هذا الاختيار كون مالك كان هو محدث أهل الحجاز فهو أقرب إلى السنة ومن عمل أهل المدينة. ثم قالوا لأنه فقيه أهل الحجاز التي تتواءم طبائع أهلها مع البيئة المغاربية البدوية. وتطور تعليلهم حتى قالوا : إنه مذهب منفتح. والحق أن الاختيار في البدء كان لأسباب دينية سلفية ترفض الانفتاح على العقل كما كان على الأقل على عهد أبي حنيفة في العراق. ليس اختيارهم لأن مالك يقول بالقياس الذي كان حنفيا بامتياز حتى لو جوّز مالك قياس الفرع على الفرع وهو من ممقوتات ابن حزم الأندلسي ، بل لتضييقاته التي أمّنها أصل سد باب الذرائع، وهو أصل بالغ فيه أصحابه حتّى ضيّقوا به على المكلّفين وكان حرجا يناقض أصل التيسير والبراءة الشرعية والعقلية. ثم أصبح الاختيار لأسباب بدوية وليس مدنية. أما الحديث عن الانفتاح ، فكل المذاهب الفقهية مفتوحة وفق آلياتها الخاصة أو المشتركة على التجديد، ليس ثمة مائز. ولو شئت أن أستعرض من مظاهر التّزمت في هذا الفقه ومظاهر الانفتاح في المدارس الفقهية الأخرى، أو العكس ، لجفّ دون ذلك المداد ، لكن هيهات ، فها هنا انكسر القلم!

إن الخطاب الديني وفي سياق الضوضاء الممسرح حول حوار الحضارات واحترام الاختلاف لا يتفق مع نبرة التفاضل التي تجعل البعض يسيء إلى المسلمين الآخرين حينما يعتبر مذهب مالك هو أفضل مذاهب دنيا الإسلام، من حيث أقربيته وانفتاحه واجتهاده في سياق المزايدة ومسلك أصولية معتمة وجب أن يتحرر منها مغرب مفتوح على الأنجع من كل المذاهب والمدارس والثقافات ـ حيث المطلوب أن تكون مالكيتنا مفتوحة لا مغلقة على سدنتها ـ. ومثل هذا الإدعاء يقوله دعاة كل مذاهب الدنيا بما فيهم المندرسة منها والعجيبة كالمذهب البقلي الذي يرى أصحابه أنه: ما أهلكنا إلا البقل! فهل من الضّروري أن نبخس الناس أشياءهم لنجمّل اختياراتنا؟ هذا منهج خاطئ من الناحية العلمية والأخلاقية ولا ينتمي إلى منطق احترام الآخر وحوار الثقافات التي انتفخت بترديدها أوداجنا.

ليس العيب في أن تؤدّي قاطرة التاريخ وحتمية غلبه إلى أن يستقر على وجهة ما مخصوصة دون أخرى. العيب يقع لما تصبح القراءة بأثر رجعي أكثر فانتازية مما يستسيغه العقل المعاصر بعد كل هذا التقدم والتطور في علوم الإنسان حيث أهمها نقد الوثيقة وتطور الأسطوغرافيا. والعجب العجاب لما ينبري جاهل بقواعد التفكير التاريخي وفلسفته وقوانين الاجتماع السياسي والثقافي ناهيك جهله المضاعف بالتشريع ليردد ممضوغة تتردد بوعي ومن دون وعي بأن المغاربة اختاروا مذهبهم. وهذه البهللة في زمن العولمة من مضحكات آخر زمان، بل وجب على العقلاء أن لا يحدثوا بها العالم إلا من باب الميتافورا الرديئة التي تنقصها الخصوبة في الخيال ، وهي لا نظير لها إلا في مغربنا العزيز. أقصد أن صنّاع هذا التخريف الميتافوري الرديئ يتوقعون متلقيا سوسيوثقافيا حكموا عليه بالأمية التاريخية وتحطيم العقل النقدي إلى الأبد ، فحق حينئذ أن لا تصلح جمجمته إلاّ إلى أثفية لطهي الجيف في براري الجهل أو منفضة لاستيعاب رماد وأعقاب السجائر في سهرات الكتابة التاريخية الماجنة. إن من بين القراءات التي تمت بأثر رجعي لتبرير هذا الاختيار التاريخي العجيب الذي لو طلّ عليه ابن خلدون المالكي لضحك حتى يسقط على قفاه من مهزلة العقل الديني المغربي الذي بات يتهاوى في التخريف والتنجيم حدّا ، نفى فيه أن يكون للغلب يدا في اختياراته التاريخية. سوف نقبل بابن خلدون فقط وفقط حينما يدفع بالاستسلام لمنطق الغلب في العمران البشري لكننا لن نستدعي رأيه إذا ما تعلق بخلفية هذا الاختيار/الجبري.

كيف تختار الشعوب الغاطّة في جهلها وأميتها مذاهبها. وهل المغاربة اليوم يميزون بين أصول وفروع المالكية، بل هل يميزون في الحد الأدنى بين ما يقوله مالك وما يقوله ابن حنبل أو الشافعي أو غيرهما. إن فعل الأسطرة الغبية لتاريخ الشعوب تتجلى هنا في أوج تسطيحها لمنطق التاريخ وصيرورة الاجتماع الثقافي والسياسي. بل لقد زادوا الحكاية نغمة لما شرحو لماذا اختار المغاربة مذهبهم، ما يوحي أن الشعب المغربي كان قد بلغ مرتبة الرفاهية الثقافية والاستهلاك المعرفي الجماهيري، حيث أدرك أن المالكية تؤمن بالمقاصد مرة أو لأنها لا تقول بالرأي الذي عرف به أهل العراق الأحناف وأساطير أخرى من دون رجع صدى. لكنني سأتحدث عن هذه الفرادة المذهبية المؤسطرة من خلال الملاحظات التالية:

أولا لا بد أن نتذكر بأن كل مذهب له مقدماته ومقبلاته التي بها يصبح إمامه فلتة زمانه وسلطان عصره لا بل سلطان كل العصور. المطلعون على المذاهب الإسلامية المقارنة سيقفون على أقوال ترقى بكل إمام إلى ما لا يرقى إليه نظير. وترقى بفتواه إلى ما لا يضاهيه فيه مثيل. فالذين قالوا في الموطأ أنه خير كتاب بعد كتاب الله قالوها أيضا في حق البخاري كما فضّل البعض صحيح مسلم كما قالوا في سنن داوود كلاما تستصغر معه باقي المجاميع الإخبارية الأخرى. فللذين نسبوا ذلك التفضيل إلى الشافعي في حق مالك ألم يكن من حقنا التساؤل: ولماذا لم يصبح الشوافع موالك؟ قد تتساءل أنت بدورك: وحيث نسب إليهم أهل التراجم وأئمة المذاهب تفضيل أئمة أهل البيت من أمثال الإمام جعفر الصادق، فلم لم يكونوا جعفريين؟

أقول هذا صحيح ، لكنني أقول: فليتحمل كل مدّع مسؤوليته. فأن يكون الشافعي ممن خالف مالك فهذا امتياز يحسب له. وأن يخالف أحدهم أستاذه الصادق بعد أن اعترف له بالفضل، سقوط يحسب على صاحبه ولا يقوى على ادعاءه.

فهذا الإمام اللّيثي في مصر فاق صيته صيت مالك، فكان المصريون يقصدون قبره وقبر الشافعي لختم القرآن وتوزيع الصدقات. وحينما قدم الشافعي إلى مصر قال: كان ـ أي الليث ـ أفقه من مالك ، ولكن قومه أضاعوه.

ومما هو جدير بالذكر أن الحكاية الشهيرة: لا يفتى ومالك في المدينة إنما على مبالغة قائليها هي حكاية مبتورة أصلها هو: لا يفتى ومالك في المدينة والليث في مصر(5).وقد سقط منها شطرها الثاني وبقي منها الشطر الأول الأوحد. وقال ابن وهب: سمعت مناديا ينادي بالمدينة: ألا لا يفتي الناس إلا مالك بن أنس وابن أبي ذئب(6).

وهذه حكاية لا تستقيم إذا شئنا أخذها مأخذ الجد. ولقد كان مالك يفتي في زمن أستاذه ربيعة الرأي وهو أعلم منه. وهذا ما لا يقال والإمام الصادق في المدينة حيث وحده وعلى طريقة جده يملك أن يقول: اسألوني قبل أن تفقدوني. فكيف ومالك كان يجيب أكثر من استفتاه بلا أدري(7).

فحينما بلغ الشافعي ما كان من غلو أهل الأندلس في مالك شرع في وضع كتاب بيّن فيه خلافه مع مالك. ففيما ذكر البيهقي ، فإن علة وضع الشافعي الكتب على مالك ما بلغه من أمر الأندلسيين في شأن قلنسوة مالك التي كان يستسقى بها، وحينما كان يقال لهم : قال رسول الله ـ ص ـ كانوا يقولون قال: مالك(8).

أقول : إن ادعاء أن الشعوب تختار مذاهبها تحتاج إلى تأمّل وتوضيح. ففي أقل التقادير لن يصدق بها عصرنا الذّكي. لا وجود لمذهب على الإطلاق انتشر بالإقناع، إلا أن يكون يملك جاذبية لا تضاها. ولا مالك ولا الشافعي ولا بن حنبل ولا أبو حنيفة ولا غيرهم من المجتهدين امتلكوا من الجاذبية ما يغطي بها على جاذبية المذاهب الأخرى كما لا يخفى على مطلع لبيب. ففي كل منها نقائص وقصور. ولم يبالغ الزمخشري المعتزلي حينما وصفها جميعا:

إذا سألوا عن مذهبي لم أبح به وأكتمه ، كتمانه لي أسلم

فإن حنفيّا قلت ، قالوا بأنه يبيح الطّلا وهو الشراب المحرم

وإن مالكيا قلت قالوا بأنني أبيح أكل الكلاب وهم هم

وإن شافعيا قلت قالوا بأنني أبيح نكاح البنت والبنت تحرم

وإن حنبليا قلت قالوا بأنني ثقيل حلوليّ بغيض مجسّم

وأما حينما يتعلق الأمر بالمغرب فإننا نجد بعض المتفيهقة يحلوا لهم أن يزعموا ـ بما يخالف منطق التاريخ ـ أن المغاربة اختاروا مذهبهم. وسيكون موقفي من هذه المزاعم نفسها حتى لو تعلق الأمر بالمذهب الحنفي أو الشافعي أو الحنبلي ، متى قيل أن أمة ما اختارت مذهبها واقتنعت برجحانه…

هيسبريس  27/09/2009