مقالات دينية

التحسيس بشيعية دولة إدريس

 

ياسر الحراق الحسني/”التاريخ يكتبه الأقوياء” تعبير عن حقيقة تجعل الدعوة إلى إعادة تقييم التاريخ دعوة ذات أساس شرعي. و لا يخاف من إعادة تقييم التاريخ إلا من همه التستر على قضايا مهمة ذات إمتداد في الواقع المعاصر يستفاد منها بنحو أو بآخر. و معنى هذا هو أن هناك من ترتبط مصلحته برؤية  تاريخية معينة يحاول من خلال الدفاع عن شرعيتها الدفاع عن مصلحته بطريقة غير مباشرة. و كنموذج لتاريخ مفترى عليه يتم التجييش لمنع إعادة قراءته أو بالأحرى قراءته كما ينبغي تجد تاريخ المولى إدريس بن عبد الله الشيعي في المغرب. و ذلك ضمن سلسلة المحاولات البائسة التي يقوم بها أكاديميون معروفون و آخرون افتراضيون من أجل محو أثرالمكون الشيعي في المغرب و إعادة ذبح التاريخ. تاريخ ذبحه بن أبي العافية المكناسي و عملاء العباسية و المروانية النازحة من الأندلس بالأمس و اليوم يشرف على ذبحه أصحاب الأقلام و الأفلام و مديري التحرير و فقهاء علم التبرير. و من بين هؤلاء من كنا نحسبه عينا من العيون الإفتراضية و لم نسل في الرد عليه مداداً على ظن منا أن ذلك شبيه بمقاومة الأنظمة السخامية، لكن الذي بعث على الرد عليه هو إدراج مقاله القديم الجديد المعنون :”شيعة المغرب على مواقع الإنترنيت تقليب مزبلة التاريخ” في موقع “إسلام مغربي” الذي يشرف عليه أحد المختصين في الشأن الديني المغربي. موقع عوض إدراجه نتاج الشيعة المغاربة في بوابة التشيع، قام في أول ما قام به بإستثناء كلمة الشيعة المغاربة ليأتي بخصمهم كي يتحدث عنهم بالنيابة. فأي مصداقية بدأ بها هذا الموقع مشواره ؟ هنا رد جميل على محتوًى وبيل للكاتب “معاشو بو وشمة” إن لم يكن مستعار الإسم، ننسف به ما قدمت يداه في شأن  إدريس بن عبد الله و دولته، و عوض الرد بقذائف الأدلة و القرائن اخترت أن يكون الرد على شكل راجمات للأباطيل المدرجة ، وذلك بعرض ما تسلح به الخصم و دحضه تخليةً عن طريق إبطاله في ذاته كما هو، ثم تحليةً عن طريق الإتيان بإستدلال خارجي يفيد في الإتجاه المعاكس. و قبل الدخول في التفاصيل، وجب التنبيه إلى أن الكاتب لم يتجرأ على إثبات سنية المولى إدريس الأول أو إبنه إدريس الثاني مباشرةً، لكنه إعتمد على خطة إبطال القول بتكوين الأدارسة لدولة شيعية في المغرب، محاولاً ايهام القارء بأغبى الطرق أن الذي لم يكون دولة شيعية فهو سني بالنتيجة! و هذا باطل في حد ذاته، فما بالك لو اثبتنا أن دولة إدريس كانت شيعية ؟

الدولة الإدريسية الشيعية

القول في مظاهر السيادة

لست أدري كيف ينفي الكاتب شيعية الدولة الإدريسية بناءً على القول أن الشيعة لم يكونوا موجودين في المغرب. فهل كان السنة موجودون؟ كم عدد القبائل و أين و كيف ؟ لست أدري لما أجهد الكاتب نفسه مستعملاً أربعة كتب أو أكثر في إستدلال أعوج لإثبات ما لا ينفعه مثقال ذرة. إن القول بعدم شيعية دولة المولى إدريس لأن المغاربة لم يكونوا شيعة يشبه القول بأن مؤسس الدولة الصفوية كان سنياً لأنه لما إعتلى الحكم في إيران كانت الأخيرة تعتنق المذهب السني.

مثل هذا القول تافه بذاته لا يلتفت إليه إلا تنزلاً و فيه شطب لثلثي بحث كاتبنا. في حقيقة الأمر، إنك تجد من مظاهر الدولة السيادية ما كشف عن شيعية إدريس و دولته. فإذا أخذنا الدرهم الإدريسي بإعتباره عملةً للدولة الإدريسية و رمزاً من رموزها السيادية فإنك تجد الأسماء الثلاث المنقوشة عليه هي إسم الجلال و إسم الرسول ص و إسم علي ع (راجع الدر النفيس والنور الأنيس لأحمد بن عبد الحي الحلبي 3/34).

و تفضيل الدولة الإدريسية للإمام علي دون غيره بعد الله و الرسول أقل ما يمكن القول فيه هو رفض لأفضلية غيره و تشيع له. هذا من باب قراءة البسيط الواضح. هناك أمر آخر يتجلى في كون شيعية المولى إدريس و دولته ثابتة بالمعيار السني التقليدي. يقول الذهبي ( سير أعلام النبلاء ،ج 16 ص 457) : “..ولكن جمهور الأمة على ترجيح عثمان على الإمام علي، وإليه نذهب ، والخطب في ذلك يسير ، والأفضل منهما بلا شك أبو بكر وعمر ، من خالف في هذا فهو شيعي جلد “. و الملاحظ أنه لا أثر لأبي بكر و لا لعمر ولا لعثمان على الدرهم الإدريسي. و قد يقول قائل أن هناك من رجال التسنن من إتهم بالتشيع مثل الشافعي بمعنى عدم صحة معيار الذهبي في التمييز بين الشيعي و غيره. و جوابه أنه صحيح أن الذي كان يظهر فقط حب أهل البيت انذاك كان يرمى بالتشيع، لكن موضوعنا هو موضوع تفضيل علي على منظومة الخلفاء أو ما اسميه  بالمنظومة  الصحبوية التي فرقت عليهم  درجات القدسية إعتماداً على الأسبقية في ممارسة الحكم. و لا يوجد دليل على وجود شخصية سنية معتبرة تجعل عليا أفضل الخلق بعد رسول الله بكل ما لهذا التفضيل من معانٍ ، و أولها ما هو بديهي في مؤازرة مفضلها في موقفه من السقيفة.

القول في طبقة صنع القرار

فيما يخص شيعية مراكز اتخاذ القرار في الدولة الإدريسية ما دام الكاتب إختار الحديث عن الدولة، فهذا تذكير فيه تنوير نحيل به الكاتب إلى حادثة التهمة الوضيعة التي تم تلفيقها ضد إدريس الثاني بكونه ليس من صلب إدريس الأول  كي لا تكون لذريته ركيزة في المغرب. يقول الفخر الرازي في حديثه عن عقب إدريس بن عبد الله ( الشجرة المباركة في الأنساب الطالبية، باب عقب إدريس) : ” وأما إدریس بن عبد الله بن الحسن المثنى، وھو الأمير بالمغرب، سقوه السم فمات، وكانت له جاریة حامل، فوضعوا التاج على بطنھا، فولدت ابنا وسمياه إدریس یلقب ب(صاحب التاج) بالمغرب. وطعن بعضھم في نسبه، وشھد بصحة نسبه علي الرضا فزال الطعن. قال البخاري: وقد خفي أمره على الناس، لأنھ كان بالمغرب فكان بعیدا…”. و لعل إستعمالي منذ حوالي سنتين لمصادر كتب النسابين في إستخراج حقائق كهته بما لم تألفه ساحة النقاش الشيعي السني كان من دوافع خروج الكاتب بمقاله الذي نحن بصدد الرد عليه الآن ، وهذا ما أشار إليه في مقدمة مقاله حيث قال :” يتولى هذا العمل أسماء برزت وأخرى تحاول -يعرفون بتشيعهم المقيت والمفضوح أو المخفي البائن- ويستولون أو يتموقعون على مساحات واسعة من مواقع الأنساب على وجه الخصوص -وأكثرها من تصميمهم ونشرهم- ثم يطرحون قضايا للنقاش باعتماد مراجع عافها التاريخ ورماها في المزابل”1. و هذا إن دل على شيئء فإنه يدل على خوف الكاتب من تنوع مصادر الدراسات و التحقيق، كما يكشف عن معاداته للعلوم الإنسانية.

إن قبول أصحاب القرار في مغرب الدولة الإدريسية بتصحيح نسب إدريس الثاني من طرف الإمام الرضا ع الذي كان بعيداً بآلاف الكيلومترات عن ظروف الحادث، و أخذهم برأيه في قضية حساسة كهذه يعني بالضرورة أن أصحاب القرار كانوا يؤمنون بأن الإمام الرضا إمام كوني لا يخفى عليه ما يجري في المغرب بينما هو في المشرق. ذلك بفضل علم موروث بحوادث الزمان ورثه عن آبائه عن رسول الله ص كما تعتقد الإمامية، الشيء الذي من شأنه دحض حتى شبهة التشيع الزيدي التي يثيرها البعض. فهذه الحادثة دليل قوي يثبت شيعية الدولة و مؤسسها المرتبطة بالأئمة من أهل البيت.

القول في الخارجية و التعيينات

مما إستند إليه الكاتب في محاولة إثبات سنية الدولة الإدريسية مسألة تعيين إدريس الثاني لبعض الشخصيات السنية أو المالكية في بعض المناصب. و رأى في إتيانه بنموذج عامر بن محمد القيسي الوافد من الأندلس – زمن إدريس الثاني – الذي روى عن مالك وسفيان الثوري و كان من القضاة على كما تنقله بعض المصادر دليلاً على سنية الدولة الإدريسية. إن الإستدلال بمثل هذا القول إن افترضنا صحته لا يستقيم. فمجرد وجود نفر من ديانة أو مذهب ما في منصب بإحدى الدول لا يعني أن تلك الدولة تتبع مذهبه أو دينه. وينطبق هذا على القيسي فيما نسب إليه من منصب في القضاء كما ينطبق على عبد الله بن مالك الخزرجي الذي نسب إليه منصب في الكتابة. فلو كان الأمر كما يدعيه صاحبنا لكانت الدولة العباسية أم التشيع! يقول الشيخ كاشف الغطاء :”ومن بيوتات الوزارة – في الدولة العباسية- من الشيعة بنو نوبخت، وبنو سهل وزراء المأمون كالفضل بن سهل، والحسن بن سهل، وبنو الفرات أبو الحسن علي بن محمد، تولى الوزارة للمقتدر ثلاث مرات، وأبو الفضل جعفر، وأبو الفتح الفضل بن جعفر. وبنو العميد محمد بن الحسين بن العميد، وابنه ذو الكفايتين أبو الفتح علي بن محمد، وزراء ركن الدولة.وبنو طاهر الخزاعي وزراء المأمون ومن بعده، والوزير المهلبي الحسن ابن هارون، وأبو دلف العجلي، والصاحب بن عباد، وداهية السياسة أبو القاسم الوزير المغربي، ومؤسس الدولة الفاطمية رجل الدولة والسياسة أبو عبد الله الحسين بن زكريا المعروف ب‍ (الشيعي)..”2. فهب افترضنا المستحيل وهو أن يأتي صاحبنا بعدد مماثل من التعيينات للسنة في دولة الأدارسة الشيعية فإنه لن يكون بمقدوره إثبات سنيتها. فنظرية الإتيان بما لا يتعدى أصابع اليد الواحدة من الموظفين غير الشيعة في دولة الأدارسة لقول أنها لم تكن شيعية أمر قريب من الفضيحة العلمية كما بيننا، ونزيده تبياناً بمثال معاصر ثيره على شكل تساؤل . هل من المعقول أن يقوم أكاديمي بالتنظير لكون الدولة المغربية دولة يهودية بحجة أن مستشارالملك أندريه ازولاي يهودي الديانة؟ التاريخ -الذي هو غير زمننا المنفتح هذا- يقال فيه أن الناس كانوا على دين ملوكهم . يبدو أن الكاتب قرأها من اليسار إلى اليمين ظاناً أن الملوك كانوا بالضرورة على دين شعوبهم ..

يذكر الدكتور أمل العلمي في كتاب “عقد فريد في تاريخ الشرفاء التليد” ما لم تختلف في اقراره التواريخ على اختلافها من كون الدولة الإدريسية أخذت تتجه نحو الشرق و سيطرت على تلمسان ما هز عرش هارون العباسي الذي دبر دس السم لإدريس بن عبد الله . فالسياسة الخارجية للدولة الإدريسية تميزت بمعاداة الدولة العباسية و الإتجاه معها نحو المواجهة، وذلك في وقت كان هارون العباسي يحمل الناس على مذهب مالك و على علاقة متميزة مع مالك . فلا ندري كيف يجرء البعض على تنظير يجمع بين المتناقضات، أي إعتماد دولة الأدارسة لمذهب أمرت الدولة المعادية بكتابة موطئه و حملت الناس على اعتناقه بالسيف ! مذهب يقول صاحبه مالك  لقاتل إدريس :” دخلت على هارون الرشيد ، فقال لي: يا أبا عبدالله ينبغي أن تختلف إلينا ، حتى يسمع صبياننا منك “الموطأ” ،قال : أعز الله امير المؤمنين ، إن العلم منكم خرج ..”3. هذا في وقت يقول فيه إدريس عن هارون وزمرته في خطبته المشهورة عند مجيئه للمغرب :”وقد خانت جبابرة في الآفاق شرقا وغربا، وأظهروا الفساد وامتلأت الأرض ظلماً وجوراً. فليس للناس ملجأ ولا لهم عند أعدائهم حسن رجاء. فعسى أن تكونوا معاشر إخواننا من البربر اليد الحاصدة للظلم والجور، وأنصار الكتاب والسنة، القائمين بحق المظلومين من ذرية النبيين. فكونوا عند الله بمنزلة من جاهد مع المرسلين ونصر الله مع النبيين. واعلموا معاشر البربر أني أتيتكم، وأنا المظلوم الملهوف، الطريد الشريد، الخائف الموتور الذي كثر واتره وقل ناصره، وقتل إخوته وأبوه وجده وأهلوه فأجيبوا داعي الله. فقد دعاكم إلى الله”. لهذا نقول أن الدولة الإدريسية جاءت لرفع ظلم الدولة العباسية بكل اجهزتها و فيها الوعاظ و المؤرخون و لا نعتقد أنها كانت تنتظر وافداً من الأندلس كي يعلمها موطأ الدولة العباسية في فترة غير دقيقة من حياة ثاني ملوك الأدارسة، و كأن أباه إدريس الأول و حاشيته لم يكونوا على علم بأحكام الدين قبل ذلك .

ومضة من أدبيات إدريس الثاني

المتأمل في أدبيات إدريس الثاني يلاحظ حرصه فيما وصلنا من خطبه على الصلاة على محمد و آله و الإشارة إلى آية التطهير . تقول الأستاذة فاتحة رامي في دراسة حول موضوع أدب الأدارسة عند التطرق لخطبة إدريس الثاني الأولى التي القاها صغيراً :” أما فيما يخص تمجيداته، وصلواته دعائه، فأغلبها مقتبس من القرآن الكريم، فقوله “أعوذ من شر نفسي وشر كل ذي شر” نجده في قوله تعالى ” قل أعوذ بري الفلق*من شر ما خلق” وقول إدريس الثاني “المبعوث إلى الثقلين بشيرا ونذيرا” اقتبس من قوله تعالى ” يا أيها النبي إنا أرسلناك شاهدا ومبشرا ونذيرا* وداعيا إلى الله بإذنه وسراجا منيرا.” أما قوله :” أذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا” أخذ من قوله تعالى” إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا” أما قول إدريس الثاني ” يضاعف للمحسن فيه الأجر” فمأخوذ من الحديث النبوي الشريف : عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ” 3 إنتهى .لإن صح أخذ إدريس الثاني للدين عن الوافد من الأندلس المذكور لما غابت المنظومة الصحبوية عن ادبياته، ولكان أول ما يفتتح به خطبته هو ” إن الحمد لله نحمده و نستعين به ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا” ، أي بالصيغة التي أخذت مكان لعن الإمام علي إلى غاية مجيء عمر بن عبد العزيز، مع عطف فيه صلوات و تسليمات لا تخلو من ذكر الأصحاب، وهذا إن دل على شيء فهو يدل على بطلان تعشيش المالكية بين حكام الأدارسة.

في الختام

إن مسألة شيعية إدريس بن عبد الله و دولته في المغرب من المسائل التي قاومت تواريخ الأقوياء و ظلت ثابتة إلى اليوم. و من الواضح أن المفكرين المرموقين الذين مالوا إلى القول بسنية هذه الدولة لم يكونوا في حل من الإعتبارات السياسية. و كبار المفكرين في المغرب مثل عبد الهادي التازي و عبد الله العروي و إدريس هاني منقسمون بين قائل بشيعيتها و قائل بسنيتها. و يبقى التصرف الأمثل هو إطلاع القارء على الآراء المختلفة و منحه الحق في إختيار الرأي الذي يقنعه. أما أن نرى مراكز و مواقع الشأن الديني تروج للرأي الشاذ و الضعيف بأسلوب النيل و التسقيط من الآخر فهذا يزيد أصحاب ذلك الرأي هواناً.

____

1. معاشو بو وشمة، شيعة المغرب على مواقع الإنترنيت تقليب مزبلة التاريخ ، موقع إسلام مغربي. غير مؤرخ، إسترجاع 21 يونيو 2012.

2. الشيخ كاشف الغطاء، أصل الشيعة وأصولها، الصفحة 160.

3. فاتحة رامي ، موقف الدارسين من أدب الأدارسة، انهار 9/5/2006.

Categories: مقالات دينية

Tagged as: